العيد.. عاطفة اللحظة وذاكرة الروح

 


 

العيدُ كلمة صغيرة في عدد حروفها، كبيرة في المعاني التي تتضمّنها، عظيمة فيما يحفّ بها من تجلّيّات وتأمّلات. بين جنبات هذه الكلمة، تنصهر معاني التجدّد والفرح والتذكّر والتخليد والتتويج، في تناغم جدير بالاهتمام. ولا يستمدّ العيد خصوصيّته من إطاره الزّمنيّ الضيّق، بقدر ما يستمدّها من رمزيّته المتمثّلة في فكرة العودة والتجدُّد، والتي جاء اشتقاقه منها. يلخّص العيد باقتدار سعي الإنسان الدؤوب إلى الإمساك بلحظات الفرح، وتوقه إلى الحفاظ على رونق المناسبة وعاطفة اللحظة، عبر الوسيلة الوحيدة المتاحة له: تكرارها عبر الزمن. ولا يكتفي العيد بلعب دور الضابط لإيقاع الفرح لدى البشر، وإنّما يتجاوز ذلك إلى أن يكون محطة للمكافأة، وإكليلًا لتتويج ما قبله، وعلامة فارقة لتسجيل ذاكرة الإنسان.

 

مع ما للكلمة من معنى اصطلاحيّ يُحيلنا إلى خصوصيّة دينيّة وروحيّة، يحظى العيد بمكانة أكثر شمولًا باعتباره تراثًا إنسانيًّا مشتركًا. فعلى الصعيد الثقافيّ، يُمثّل العيد لجلِّ شعوب العالم فرصة إبراز الهُويّة الثقافيّة، ومناسبةً لاستعراض المقوّمات الحضاريّة والثقافيّة لها. فمن عيدَي الفطر والأضحى عند المسلمين، إلى أعياد: الميلاد، والقيامة، وعيد الفصح، ويوم الغفران، ويوم النيرفانا، وغيرها من أعياد الديانات الأخرى. ومن يوم الرابع عشر من تموز في فرنسا، إلى كرنفال ريو دي جانيرو البرازيليّ، إلى غيرها من الأعياد الوطنيّة والموسميّة حول العالم، تظهر السمات الثقافيّة، كاللباس، والعادات والتقاليد، والطعام، بوضوح من خلال الممارسات والطقوس التي تميّز كلَّ عيد من هذه الأعياد. وعلى الصعيد الاجتماعيّ والعائليّ، قلما تحظى المجتمعات في مختلف دول العالم بمناسبة لترسيخ الممارسات الاجتماعيّة، كتبادل الهدايا والزيارات، كما في الأعياد، بل ذهبت إلى أبعد من هذا فاستحدثت أعيادًا جديدة ذات طابعٍ اجتماعيّ، كعيد الأمّ، وعيد المرأة، وعيد الطفل، وعيد الحب، وأعيادًا أخرى أكثر انحصارًا في سياقها المحدود، مع محافظتها على زخمها الاجتماعيّ، كعيد الميلاد، وعيد الزواج، وغيرها من الأعياد الشخصيّة.

 

ولأنّ العيد فكرة قبل أن يكون ظرفًا زمانيًّا مجردًا، قدَّم للإنسان، عبر فهمه وممارسته وانتظار دورته الزمنيّة، زخمًا من الرمزيّات المتمحورة حول عاطفة الفرح وشعور الامتنان. يمكننا القول بلا مبالغة إنّ العيد هو بمثابة ذاكرة إنسانيّة روحيّة، تسجل للبشريّة ذلك الإيقاع المنتظم الذي يضبط خطواتها، وهو موعد ثابت عبر الأجيال ينتظر الإنسان، وينتظره الإنسان، ليعيش عاطفة الفرح ويمارس طقوسها، وليحسّ بمكنون المناسبة ويستشعر الرابط الذي يربطه بفكرتها الأساسيّة، وليُخَلِّدَ تلك الذاكرة سعيًا إلى استمراريّة سرمديّة لهذه اللحظة الفارقة.

 

تتجلّى هذه الرمزيّة، بشكل أكثر عمقًا، في الأعياد الدينيّة، التي تحمل في جوهرها أساس مفهوم العيد، حيث الرمزيّة الطاغيّة على الصورة هي رمزيّة الهديّة بكلّ مستوياتها ومقاصدها. ويأخذ العيد في الإسلام بشكل خاصٍّ، وفي غيره من الأديان بشكل عام، طابع الامتنان البشريّ للهديّة الإلهيّة. إذ يقوم عيد الأضحى على استشعار هدية الفداء من النبي إبراهيم عليه السلام، والهديّة الإلهيّة الأعظم، "وفديناه بذبح عظيم"، التي تتجاوز سياقها الزمانيّ والمكانيّ المحدود، لتكون هديّة إلهيّة لأمّة كاملة، يستشعرها كلّ فرد من أفرادها مع حلول هذا العيد، ويعمل على تجسيد جوهر العطاء فيها، من خلال الإهداء للأهل والأبناء والجيران، والتصدّق على الفقراء ورعاية الأيتام، فيكون العيد بذلك موعدًا لانسياب العطاء الإلهيّ من قمة الفكرة إلى قاعدة الممارسة.

 

ولعلّ فكرة التتويج والمكافأة تبقى من أبرز مقاصد العيد التي قام على أساسها، إذ يمثّل التمازج بين العمل ما قبل العيد والفرحة بالنجاح فيه كيمياء المناسبة، ويصنع تفرُّدها، ويفسر الانتظار المتواصل لها على مرّ العصور. "عيد بأيّةِ حال عدتَ يا عيدُ"، قالها أبو الطيب المتنبي ذات عيد، لتبقى هذه الكلمات شاهدة على الترقب الممزوج بالأمل، والشجن أحيانًا، لعيد جاء مسجلًا أحوالنا على أوراق الذاكرة، حاملًا معه المكافأة لبعض الناس، والأمل لبعضهم الآخر، ضاربًا موعدًا متجدّدًا مع الفرح والسرور، ومجسدًا لاستمراريّة الهديّة الإلهيّة عبر الزمان وديمومة الامتنان لها والسير على منوالها وتخليدها عبر الأجيال.

 

 


 

المدونات المتعلقة

For better web experience, please use the website in portrait mode