تنين فيتنام.. بين الأسطورة والواقع

كم تنينًا تعرف في هذا العالم ؟ الإجابة البديهية على هذا السؤال المفاجئ هي: أن التنانين حيوانات خرافية لا وجود لها.

الواسعو الثقافةِ - وربما الخيال - قد يشيرون إلى دول الشرق الآسيوي، باعتبارها دولًا اصطلح على تسميتها بالتنانين. ولكن الإجابة الصحيحة ستأتي فقط من العارفين بتلك الرقعة من العالم: هناك تنين واحد فقط على كوكبنا، وهو فيتنام.

إن فيتنام هي بلاد التنين بلا منازع. فكل شيء فيها - حرفيًّا - مرتبط بالتنين بشكل أو بآخر. لو أن هناك بلدًا تكثفت فيه الأساطير وترسّبت في واقعه، حتى غدت حقائق لا تقبل الجدل، فسيكون حتمًا فيتنام. صحيح أن التنين يعدّ قاسمًا مشتركًا لأكثر دول الشرق الآسيوي، ولكن الشعب الفيتنامي هو الشعب الوحيد الذي يعتبر نفسه سليل تزاوج بين التنين والجنية. حتى الجغرافيا لم تخرج من قبضة هذا الحيوان المتمكن، فالأساطير تقول إن التنين حط على هذه الرقعة من الأرض وشكَّل بالْتواء جسده الثعباني خريطة فيتنام الحالي، بحيث يكون رأسه في الأعلى وذيله في أقصى الجنوب. وتقول أيضاً إن التنين زار الملك في منامه وأوحى إليه بالانتقال إلى عاصمة جديدة تُعرف الآن بهانوي.

كثير من السياح اليوم يزورون خليج هالونج وينبهرون بالجزر الصغيرة التي تنتشر فيه كلآلِئ متناثرة، ولا يعلمون أن الأساطير تقول أيضاً أن التنانين نزلت من السماء لتقاتل الغزاة القادمين من الشمال وتطردهم من البلاد، وما هذه الجزر اللؤلؤية إلا نتاج القذائف النارية المنطلقة من أفواه التنانين عند التقائها بصفحة الماء.

للتنين حضورٌ راسخ في الضمير الفيتنامي، وتأثير واضح في ثقافته وفلْكلوره، فلا يمكنك أن تخالط الفيتناميين دون أن تسمع اسم التنين يتردد على ألسنتهم باستمرار، فعلى سبيل المثال إذا سألت أحدهم عن أحواله فلا تستغرب إن أجابك بأن التنين يلاقي السحاب، وهو يعني بذلك أنه في خير حال، وإذا ما زرته في بيته فتوقع أن يستقبلك بعبارة "تنين يزور روبياناً" مشبِّهًا نفسه - تواضعًا - بالروبيان، ومعظِّمًا قدرك بتشبيهك بتنين نبيل. كلمة تنين نفسها تمثل في اللغة الشعبية الفيتنامية مرادفًا لكل ماهو ملكيٍّ سام. فالسرير العادي - مثلًا - في فيتنام يختلف بكل تأكيد عن "السرير-التنين" أي السرير الخاص بالملك أو بالإمبراطور. وحتى إذا صعدنا إلى مستوى الملكيّة وعِلية القوم فسنجد طبقية "تنينيَّة" إذا صحّ القول، فشعار التنين ذي المخالب الخمسة يختصّ به الملك دون غيره، تاركًا شعار التنين ذي المخالب الأربعة أو الثلاثة لمن دونه من شخصيات الدولة ورجال الحكم والقانون. أما على مستوى عامّة الشعب فللتنين مكانة جوهرية تبدأ من قبل الولادة، إذ تعتبر سنة التنين في التقويم الصيني سنة البركة والنماء والقوة، ويميل الفيتناميون إلى الإكثار من الإنجاب في هذه السنة لينالوا من خيرها وبركتها. وتمتد مكانة التنين لتشمل الحياة الاقتصادية، في بلد زراعي مثل فيتنام، إذ يمثل مصدر سعادة للفيتناميين، بوصفه مسؤولًا عن تنظيم الأنهار والأمطار والرياح.

ويمكن رؤية هذه المكانة بالعين المجردة بوضوح، حيث تنتشر النقوش والزخارف والرسوم والمنحوتات المُحْتفية بالتنين في كل مكان.

لم تقف حاسة الفن عند الفيتناميين بمنأى عن ثقافة التنين المترسخة في الوجدان الشعبي والسلطوي، وإنما رافقتها منذ منشئها حتى اليوم. وإن المتأمل في تطور الفنون في هذا البلد يرى بصمات هذه الثقافة في كل أطوارها، بداية من: آنية الشرب الخاصة بزعماء القبائل الأولى، إلى الأشكال الجنائزية في حقبات الهيمنة الصينية، والجرار المصنوعة من: البرونز، والسيراميك، والتماثيل البرونزية الأولى على محامل المصابيح والمباخر، إلى السيراميك ذي اللونين الأبيض والأزرق في القرون المتأخرة. أما اليوم فتتجسّد هذه الثقافة عبر ممارسات فلكلورية، عبَر بها الفيتناميون حدودهم الإقليمية، ونشروا من خلالها ثقافتهم عالميًّا. فرقْصة التنين تعد اليوم جزءًا حيويًّا من الثقافة الفيتنامية، وهي رقصة عالمية تجسد التفرد الآسيوي عامةً والفيتنامي خاصة عن ثقافة الغرب، التي ترى التنين حيوانًا شيطانيًّا، في حين يمثل التنين في ثقافات الشرق: مصدر البركة والازدهار، وطارد الشياطين، وجالب الحظ السعيد. فالتنين يمثل التفرد الفيتنامي حتى عن جيرانه الصينيين المطبوعين أيضا بأساطيْره.

حيث تبلغ هذه الرقصة أوجها في مهرجان (تيت) الذي يقام احتفالًا بالسنة القمرية الفيتنامية الجديدة، فتطغى على المشهد الألبسة المزركشة، وقناع التنين العتيد الذي يلبسه المحتفلون والراقصون لينالوا من بركته، وليضْفوا مزيداً من الأجواء الأسطورية التي تربط اللحظة بما قبلها ارتباطًا وثيقًا ممتدًا إلى أوائل النشأة الفيتنامية الأولى.

كل من زار هذا البلد التنين -وها نحن بدورنا نستعمل الكلمة استعمالًا ملكيًّا في خضم هذا الجو الفيتنامي الساحر المشحون بالأساطير - لا يخرج منها كما دخل، وإنما يحتفظ بلمسات "تنينية" قد لا تفارقه لوقت طويل. وربما يحالفه الحظ بأن يكون هناك خلال سنة التنين حسب التقويم الصيني، إذ سيغْرف من بركات التنين غرفًا، ويعب من خيراته عبّا. ولكن هذا الحظ الحسن سيتأجل قليلًا، فنحن الآن نستقبل سنة الفأر، وسنضطر إلى انتظار أربع سنوات تفصلنا عن سنة التنين الزاهرة. نحن ننتظر هذه السنوات الأربع قبل كأس العالم أو الألعاب الأولمبية، أفلا ننتظرها شوقًا لتنين يفتح ذراعيه ومخالبه ترحيبًا واشتياقًا؟