مقدمة

ابن قرية لها تاريخ عريض، ضارب بأطنابه في جذور الجزيرة العربيّة، ترعرع فيها، وتضلع من ينابيعها. كانت النقوش التي تملأ الجدران وتزين الأبواب والملابس، تجذب انتباهه، وكانت بمثابة دروس مبكرة في الفنّ الذي سيختاره فيما بعد طريقًا له.

عاش فقيرًا ويتيمًا منذ وقت مبكر، هذه الطفولة القاسية زرعت فيه رباطة جأش، وصلابة، لمواجهة ما ينتظره من صروف الدهر، وأيام الدنيا. مع أوائل السبعينات الميلاديّة، كان أنهى علي الرزيزاء دراسته في معهد التربية الفنيّة بالرياض، وانتقل إلى روما لنيل دبلوم من أكاديميّة الفنون الجميلة، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وهناك تأثر بحجم الحركة الفنية الكبيرة.

بعودته إلى السعودية، بدأ التركيز على إنتاج مضامين محليّة، تراهن على المحتوى النجديّ بوصفه أحد واجهات التنوع في السعوديّة، وتركيب صيغة أصيلة لا تستورد الأفكار من خارج بيئتها الحقيقيّة، ليكون بذلك تعبيرًا أمينًا ومخلصًا لثقافة بيئته، وانعكاسًا لذخائرها الاجتماعيّة والفكريّة.

نجد

يرى الفنان الرزيزاء أن تنوع السعوديّة يعطيها قوة وثراء، وهي لا تختلف بالنسبة له في مجرد الجغرافيا والتضاريس، بل تختلف فكريًّا، ومعرفيًّا، وفلكلوريًّا، إذ يمكن ملاحظة مناطق التمايز في روحها وعطائها الفكري بوضوح، بين منطقة وأخرى، وهذا مصدر قوة وعطاء، إذا اجتمعت في وعاء واحد تمثله السعوديّة.

ونجد بالنسبة له مسقط رأسه، ومحل نشأته، وحضن بواكيره، كما أنّه يملك القدرة على الحديث بلغتها فنيًّا وفكريًّا، بعد أن تشبّع بموروثها، واستوطنت قلبه وذهنه صورها البِكر، وبوادر نموها، ونبوغها، وهو ليس مجرد ناقل لهذه المعاني، بل يستنطق التفاصيل المدفونة في زوايا المكان، والحكايات المعجونة في الجدران القديمة، والأبواب القائمة على ساق الانتظار.

شكّل مهرجان الجنادريّة له نافذة لاستعادة قيمة الموروث، وتطوير تعريف المجتمع له، وبدأ اهتمام الناس بالموروث، من مجرد اجتهادات فرديّة إلى خيار مجتمعيّ كبير، تتبناه المؤسسات، والأفراد، والمناطق، والجماعات .



مع الملك سلمان

يرتبط الفنان علي الرزيزاء بعلاقة أثيرة مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بدأت قديمًا جدًّا، ونبعت من نبوغ الرزيزاء في مجاله منذ وقت مبكر، ومن رعاية الملك سلمان لهذه المجالات الثقافيّة، وسعة نظره في التعاطي معها، بوصفها مساحات للتعبير عن: مستوى الفكرـ والثقافةـ والفنّ، في السعوديّة.

يقول الرزيزاء "لقد تبناني الملك سلمان مبكرًا، وقام برعاية فنيّ، ودعمي، وترشيحي للكثير من المناسبات، التي كانت إضافة كبيرة لمسيرتي، كانت اللقاءات العابرة التي تجمعني بالملك سلمان في المعارض المحليّة والدوليّة، والهدايا التي يقدمها الملك سلمان لضيوفه من لوحاتي، بمثابة تقدير للفنّ، ودعم للمجال، منذ الهدية الأولى التي قدمها للرئيس الفرنسي جاك شيراك - إبان كان عمدة لمدينة باريس - ، وحتى الهدية المقدمة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارته الأخيرة إلى السعوديّة، وبينهما قصص ومواقف ومناسبات، مع رؤساء دول، ووجوه دبلوماسيّة عالميّة، تعرفت على عطاء الرزيزاء بفضل الدعم الذي لقيه من الملك سلمان".

كما قدمه الملك سلمان للكثير من الشخصيّات الدوليّة، أثناء المعارض الخارجيّة، مثل الأمير تشارلز وحرمه الأميرة ديانا، والرئيس الفرنسي ميتران، والرئيس المصري حسني مبارك.

مقترح ولي العهد

وبخصوص صدور موافقة المقام السامي لمقترح سمو ولي العهد، بشأن توجيه الجهات الحكوميّة باقتصار اقتناء الأعمال الفنيّة، والمنتجات الحرفيّة في مقراتها، على الأعمال الوطنيّة، قال الرزيزاء: إنه مقترح عظيم، ويعزز العصر الجديد الذي تعيشه الثقافة في السعوديّة، وأضاف "الثقافة السعوديّة قائمة منذ زمن، لكنها تواجه بعض الإجحاف، بيد أن المجال الآن أخذ ينمو باتجاه احترافيّ، ومقترح توثيق الأعمال وقصر الاقتناء على الوطنيّة منها، من واقع أنّها ثروة ينبغي الحفاظ عليها، ونفي الأعمال المزيفة، وتلك المقلدة بصفة تجاريّة، بعد أن كانت الكثير من الأعمال الوطنيّة ـ التي تتضمن عطاءً فكريًّا يمثل انعكاسًا للثقافة المحليّة ـ تواجه الإهمال والمصائر المجهولة، وتضيع معها ثروة كبيرة للوطن، فضلًا عن حقوق الفنان وحماسه للمواصلة والدأب".



ورش العمل تحتاج تنظيمًا

يقول الرزيزاء "هناك الكثير من ورش تعليم الفنّ، والتدريب على مهاراته، تقام لأغراض ودوافع تجاريّة للتكسب، لأن الفنان ينبع من الداخل، وتلقين الفنان يُلغي هُويّته التي تعطيه طابعه المميز وشخصيته المغايرة، وانعدام البرامج الثقافية المتخصصة، سواء في التلفزيون أم الفضاءات العامة، يجفف علاقة المجتمع بالفنّ عمومًا، ويتسبب في خلق مثل هذه المظاهر التي تنتمي للتكسب من الفنّ، وهي ليست لها علاقة أصيلة به من قريب أو بعيد".



شعار المئويّة

يحتفظ الرزيزاء بذكرى لا تُمحى خلال إحدى المناسبات الوطنيّة التي شهدتها البلاد، كانت الذكرى تتويجًا لمسيرته الفنيّة، وتقديرًا للمنتج المحليّ، والمجال الفني عمومًا، شعار المئوية الشهير عام ١٤١٩هـ بمناسبة مرور مائة عام على استرداد الرياض، فاز الرزيزاء بهذا الواجب الوطنيّ ضمن مسابقة تقدم إليها مئات المشاركين، لكن علاقته الأثيرة بنجد، وبتاريخ السعوديّة، ووعيه بالتنوع الذي تملكه مناطق البلاد، أسعفته للخروج بتعبير فنيّ يقبض بتلابيب المعنى المراد من المناسبة، في إطار لوحة واحدة.

لقي الشعار انتشار واسعًا وقتها، بسبب أهمية المناسبة وقيمتها في الوجدان السعوديّ، كما حفر الشعار الذي ابتكره الرزيزاء مكانه في ذاكرة البلاد، واحتفظ بدهشته حتى اليوم.