"هناك الكثير من التطورات والأحداث التي حدثت في العامين الماضيين في مجال الصناعة الإبداعية في المنطقة، لذا مع قدوم عام 2020 كان هنالك الكثير من الحماس للمشاريع المقبلة، كالنقاشات الثقافية المختلفة، والمواهب المحلية المتنوعة المكتشفة يومًا بعد يوم، وهذا النوع من النمو هو ما يشعرنا بالحماس".

بالنسبة إلى بسمة الشثري، أقبل عام 2020 ليكون عامًا بارزًا في مسيرة الفنانين السعوديين، وتطور المشهد الإبداعي المتنامي في المملكة العربية السعودية. فهو يمثل بداية عقدٍ جديد، والوقت المناسب ليشهد الفن انطلاقة حقيقة ملموسة في المملكة من منصة انطلاق عَمِل العديد من الأشخاص والهيئات والمؤسسات على مستوى الدولة والمنطقة بشكلٍ جماعي ولسنواتٍ عديدة للمساعدة في بنائها.

من خلال عملها كأمينة لمعهد مسك، تعيش بسمة و"تتنفّس" الفنون السعودية، وبالنسبة لها: "الفن شكلٌ من أشكال اللغة"، وأن تكون في وضع يسمح لها بالمساعدة في إيصال هذا العشق إلى الجماهير هو مهمة تعتبرها ذات امتيازٍ كبير.

كما ترى أمينة معهد مسك للفنون أن العام 2020 سيشهد انفجار مواهب عربية وجدت مكانها أخيرًا في المملكة كمكانٍ تستقر فيه ضمن مشهد فني كان سابقًا غير واضح المعالم، من شأنه أن يسمح لهم بالتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بطريقة ربما لم يستطع الكثيرون قبلهم القيام بها".

تقول الشثري مسترجعة أفكارها حول نمو الصناعة الإبداعية في أواخر العام الماضي، وقدوم العام الجديد: "أن تكون قادرًا على إنشاء مساحات اجتماعية سواء لدعم الفنانين والمبدعين، أو لتثقيف وتعليم شريحة مجتمعية أصغر سنًا، هو أمر يساهم في خلق فرص لا حصر لها، وهذا أكثر ما يجعلني متحمسة جدًا لما هو مقبل".

وتستطرد بالقول: "بالطبع، الفنانون أنفسهم لديهم الكثير لقوله. أن تكون قادرًا على تخصيص مساحات آمنة لهم تسمح لهم بالشعور بالحرية في التعبير عن أنفسهم وأفكارهم، وتقديم طرق مختلفة لعرض أعمالهم والتواصل مع بعضهم البعض ومع الجمهور، هو أمر رائع جدًا".

وتتابع قائلة: "أشعر أننا نسير سريعًا في المسار الصحيح في تطوير الصناعة الإبداعية في المملكة منذ العام الماضي". وتضيف: "لقد حدث الكثير في ما يتعلق بمساحة العرض والتكليف بالأعمال الفنية، وأعتقد أن شعور المبدعين بالطاقة كان مهمًا للغاية لأنه كان يمنحهم شعورًا ببيئة مجهزة مسبقاً تمنحهم مساحة آمنة لعرض أعمالهم وإظهار إبداعاتهم، كما منحهم الثقة بالنفس للتقدم نحو الأمام لقد ساعد مفهوم الأمان والعنصر التشجيعي الصناعة الإبداعية بشكلٍ كبير على المضي إلى الأمام وبشكل سريع جدًا".

وكما هو الحال مع جميع الأشياء في حياتنا، أجبر الانتشار الكبير لجائحة فيروس كورونا المستجد عالميًا منذ شهر مارس الماضي إلى إيقاف جميع الخطط التي وضعتها الشثري للفنانين الذين تعمل معهم ولفريق معرض مسك، وتعليق آمالها ورؤيتها الأوسع للفنون في تعزيز الإبداع الفني في المملكة إلى وقت لاحق.

هل هيمنت الحركة الضخمة المعتمدة على الطاقة على المشهد العام؟

"أعتقد أن الجائحة العالمية قد جلبت معها بالتأكيد الكثير من التحديات، فهناك تحديات عالمية تواجهها جميع الصناعات الإبداعية، أبرزها الجانب المالي الذي تأثر سلبًا وبشكلٍ مباشر، حيث تواجه المعاهد الثقافية والفنانون تحدياتٍ مالية، لقد تحدثت مع الكثير من الفنانين الشباب الناشئين الذين اضطروا إلى اللجوء إلى كل السبل لعرض أعمالهم، وحاولوا العثور على هواة جمع التحف والأعمال الفنية عندما لم يتمكنوا من عرض أعمالهم.

بالطبع، تم بذل الكثير من الجهود لحل هذه المشكلة خلال هذه الجائحة. وقد حاولت الكثير من المعاهد وصالات العرض تأسيس مشاريع لدعم الفنانين سواء من خلال عرض أعمالهم عبر وسائل افتراضية، أو على منصات الإنترنت، ولقد رأيت الكثير من النقاشات حول ذلك عبر الإنترنت والتي كانت مفيدة للغاية لهذا الغرض، وسواء كانت هناك جائحة أم لا، أعتقد أنه من المهم جدًا تشجيع هذه النوع من المحادثات، لأنها تساهم في بناء مجتمع أكثر إبداع وصلابة".

لقد أثار رد الفعل السريع هذا تجاه احتياجات الفنانين في السعودية إعجاب الشثري خلال الأشهر الثلاثة من الإغلاق العام، إلى جانب التشكل المفاجئ لمجتمع إبداعي سعودي أقوى بكثير عبر منصات الإنترنت، مجتمع كان قد بدأ مطلع هذا العام في التماشي مع العالم المادي، وسرعان ما اضطر إلى التجمع وإعادة التنظيم مرةً أخرى، لكن هذه المرة عبر الإنترنت".

وفي هذا المجال، انتهز الكثير من الفنانين الفرصة ليس للتعلم فقط، ولكن للمناقشة وإبداء الرأي.

وحول ذلك تُعلق أمينة معهد مسك للفنون: "أعتقد أن بروز العالم الرقمي خلال هذه الجائحة مفيد جدًا، ولكن في بعض الحالات عدوانيٍ بعض الشيء، فهنالك الكثير من الفنانين الذين شعروا بضرورة عرض أعمالهم على الإنترنت، ولكن هنالك بعض الأعمال الفنية التي لا يمكن فهمها أو استيعابها عبر المنصة الرقمية.

"بالطبع شكل الوضع الجديد تحديًا كبيرًا للكثير من الفنانين، وقد كان من الصعب بالتأكيد التعايش معه، لكنني أعتقد أنهم خرجوا من هذه التجربة بالكثير من الدروس المستفادة والتي ستتكشف في أعمالهم بعد زوال الجائحة، فلقد بذلت المؤسسات الثقافية جهودًا كبيرة في محاولة دعم الفنانين، سواء من خلال المحادثات أو من خلال المطبوعات، مما أعطى الفنانين فرصة لعرض أعمالهم داخل مجتمعهم، وجذبت المحادثات الجماهير لإلقاء نظرة عن قرب وهم في منازلهم على استوديو أعمال أولئك الفنانين، كما خلقت جوًا ديناميكيًا أقرب بين المتفرج وبين العمل، ولكن كان من الضروري أيضًا أن يأخذ الجميع خطوة إلى الوراء، وبدلاً من أن ينتجوا أعمالًا باستمرار، كان عليهم البحث والتفكير بأعمالهم في الماضي والحاضر.

"بقدر ما يبدو هذا مثاليًا، إلا أنني أجد أنه أمر جميل وشاعري للغاية أن يتحدى الجميع في الوقت نفسه الظروف التي يواجهونها، وأن يحاولوا التواصل مع فنهم. لدينا العديد من الفنانين الذين انخرطوا في عملهم بشكلٍ ديناميكي، وانشغلوا بما قدموه من أعمال، مما جعل عنصر التواصل مع بعضهم البعض يبدو وكأنه لم يكن له أولوية لديهم، وحيث أننا نبني مجتمعنا معًا، من المهم جدًا لنا جميعًا أن نتواصل في ما بيننا، سواء كنت مشرفًا على المعرض أو فنانًا، أو سواء كان ذلك بين الفنانين أنفسهم، أو بين مجموعة من صالات العرض".

لقد كان هذا الترابط بينهم واعتمادهم على بعضهم البعض، من وجهة نظر الشثري السبب الذي سمح للفنانين السعوديين بالكشف عن أنفسهم واكتشاف العناصر الحقيقية لذواتهم الإبداعية، وتوضح ذلك: "لقد كانت الجهود المبذولة لتواصل الجميع في ما بينهم أمرًا مثيرًا للإعجاب. فقد مكنت الفنان من تفهم الشعور بضعفه، وتقبله والتحدث عنه. وهذا أمر مهم جدًا. نعلم جميعًا أن المبدعين يواجهون تحديات باستمرار، وأجد حقيقة أن الجائحة سمحت للفنانين بأن يكونوا أكثر تقبلًا ووضوحًا في ما يتعلق بضعفهم هو أمر مفيد جدًا، وبصفتي أمينة لمعرض مسك، يهمني معرفة التحديات التي يواجهها الفنانون لأتمكن من توفير المساعدة والدعم لهم. أجد هذا شعور الضعف أو الانكشاف أمام الآخرين، مفيد فعلًا في مساعدة أفراد المجتمع في فهم بعضهم بعضًا ونموهم معًا بنفس الوتيرة.

"الشيء الجميل حقًا هو أن الكثير من الفنانين تحدثوا عن قصصهم الشخصية من خلال أعمالهم، حيث تعمقوا في ذكرياتهم وماضيهم، مما سمح لنا بالتواصل أكثر مع الأعمال الإبداعية التي كنا نشاهدها، من المثير للاهتمام حقًا تعمق أولئك الفنانون في أفكارهم وتاريخهم.

"يحاول الكثير من الفنانين أيضًا تجربة أشياء مختلفة، وهو أمر أعتقد أنه مهم جدًا. إذ أن معظم الفنانين الذين عملت معهم هم من العصاميين، لذلك أعتقد أن عملية إيجاد الفنانين لطرقٍ مختلفة للتعبير عن أنفسهم من خلال تلك الوسائط أو الأساليب التي يستخدمونها هو أمر مثير للاهتمام بالنسبة لي لأنها عملية شخصية جدًا. إن وجود هذه العقلية في تشكيل العمل الفني ستساعد الجمهور من الشباب على إضفاء الطابع الإنساني على العمل الذي يرونه، ويفتح في نفس الوقت النقاشات حوله".

من هذا المنطلق، تتوقع الشثري أن ترى العديد من الأساليب الجديدة من الفنانين في عملهم مستقبلًا، وعلى وجه الخصوص، المواضيع التي تتعلق بالاستدامة والحفاظ على النظام البيئي الإبداعي في المملكة.

وتُعلق على ذلك: "لقد شهد المجتمع ازدهارًا كبيرًا من حيث تواصل أفراده مع بعضهم البعض خلال الجائحة".

وتستطرد موضحة: "مع ذلك، لقد عانى المجتمع من الناحية الاقتصادية، وأعتقد أن هذا الوضع قد أثار الكثير من الأسئلة في ما يتعلق بكيفية تأسيس المشاريع والفعاليات وأي نشاط مُستدام، فمن السهل أن تتحمس لمشروع ما وتطلقه، لكنني أعتقد أنه من المهم جدًا بالنسبة لنا أن نتراجع خطوة إلى الوراء ونفهم جيدًا أن ما يتم بناؤه الآن يمثل الأساس والبنية التحتية للأجيال المقبلة. وأعتقد أن فكرة ومفهوم الاستدامة يجب أن تكون في أذهاننا على الدوام للتأكد من أنّ لدينا خططًا مالية مناسبة تدعمنا إذا ما واجهنا جائحةً أخرى".

هل سيجد العالم الرقمي الآن دورًا أكثر بروزًا في المشهد الإبداعي في السعودية؟

"يواجه الكثير من الفنانين تحدياتٍ مختلفة في عرض أعمالهم على المنصات الرقمية، وأعتقد أنه يجب النظر إلى هذه المسألة بتركيز أكبر. إن الميزة الرائعة في وضع كل شيء في الفضاء الرقمي هي التركيز على المحتوى. فأثناء الجائحة، كان الأشخاص وهم معزولون في منازلهم يبحثون عن محتوى غني على الإنترنت، وهذه إحدى الجوانب الإيجابية للوضع الذي فرضته الجائحة، سواء للفنان أو المصمم أو أمين المعرض أو المهندس المعماري، فبعد انتهاء فيروس كورونا المستجد سوف تنمو دور العرض بالتأكيد في المملكة، وسيرغب الكثير من الفنانين في التواصل مع صالات العرض لأنهم يدركون مدى أهميتها بالنسبة لهم في النظام البيئي. علينا التأكد من أننا نشجع باستمرار المحادثات مع الفنانين والمبدعين. ومن المهم جدًا أن تكون هذه المساحات الثقافية موجودة فعليًا على أرض الواقع. ويمكننا بالتأكيد أن نكون أكثر وعيًا حيال ذلك من حيث احترام التباعد الاجتماعي واحترام سلامة المكان، لأن وجود مساحات عرض أمر مهم للغاية بالنسبة لصناعة الفن والثقافة".

وتختتم بسمة الشثري حديثها: "أنا من أشد المدافعين عن مبدأ الاطلاع على الأعمال الفنية من خلال عرضها على مساحات حقيقية، وهذا بالتأكيد شيء لا أرغب في التخلي عنه، لذلك أعتقد أنه من المهم جداً التطلع بتفاؤل نحو مستقبل الصالات والمساحات الثقافية التي ستزدهر بالتأكيد بعد زوال الجائحة".

هذه المقابلة بين إثراء و (مجموعة من الضيوف) هي جزء من سلسلة حوارات حول تأثير جائحة كورونا، ومستقبل الصناعة الإبداعية.