رمزية التنوين وزعزعة المألوف

12 أكتوبر 2018

صناعة التغيير من التنوين في التراث العربي حتى "تنوين" إثراء

التنوين هو النون الزائدة في آخر الكلمة، والتي تضاف إلى الاسم لفظًا لا كتابة في حالات معينة. وقد سمي بهذا لأن نطقه يحدث صوت النون بعد الحرف الأخير، فيضيف جرسًا موسيقيًا إلى الكلمة. إلى جانب دوره الجمالي في تنغيم اللغة صوتيًا، فإن له دورًا دلاليًا أيضًا، إذ يؤكد التنكير للنكرة مثلًا ويميز الاسم عن الفعل، وهكذا يبني على المعنى. فمن صفات اللغة الكاملة أن أي زيادة في بنائها، صوتيًا أو شكليًا، تصحبها زيادة في المعنى، وأي اللغات أكثر كمالًا من العربية؟ فليس من الغريب أن يكون التنوين ميزة خاصة بها دون غيرها من اللغات.

كانت النون تكتب في العصر الجاهلي وحتى بداية انتشار الإسلام، فتضاف "حرفن كاملن" بهذا الشكل. ثم اختلط العرب بغيرهم من الأمم وخُشي أن يَلحَن الناس في القرآن، وهكذا وُضعتْ حركات التشكيل. وبفضل تلك اللمسة البسيطة، التي ابتدعها "أبو الأسود الدؤلي"، أُزيل الالتباس وأصبحت المقاصد واضحة، فتعلّم الناس خفة الحذف. لم يعد هناك سبب لأن تُكتب النون في التنوين، وإنما صار يكفي أن يُشار إليها. وإشارتها هي تكرار حركة التشكيل في الحرف الأخير، فتصير إما فتحتين أو ضمتين أو كسرتين حسب الإعراب. فاللغة الكاملة يجب أن تكون قادرة أيضًا على التخفف من زوائدها إذا صارت فائضة.

شكّل هذا التغيير ثورة في الكتابة العربية. ربما بدا غير مألوف في البداية، وربما أحدث زعزعة لدى البعض، لكنه سرعان ما انتشر مثل كل الإبداعات التي تثبت فائدتها، حتى لم نعد نتخيل كيف كان الناس سابقًا يعيشون من دونه. إن في هذا دلالة على أنك حين تبدع تغييرًا مؤثرًا في حياة الناس فإنهم لن يستجيبوا له فحسب، بل سيساهمون أيضًا في أخذه إلى منطقة أبعد وأكثر تأثيرًا. من هنا يمكن اعتبار التنوين رمزًا لقدرة الإبداع على الإضافة عن طريق هدم القديم وتعويضه. إنه تذكير بأن هذه الزعزعة الإيجابية هي جزء أساسي من تاريخنا وحضارتنا، وأنها حاضرة حتى في لغتنا وأشكال تواصلنا اليومي، وبالتالي ليست دخيلة على طرق تفكيرنا.

من هنا جاءت "تنوين" كتسميةٍ لموسم الإبداع في إثراء، لتمثل مساحة لإنعاش إرث هذا التغيير الإيجابي. إنها فعالية سنوية لاستكشاف الإبداع في الفنون والعلوم والأدب والتراث الثقافي وريادة الأعمال، تسلط الضوء على الفرص الجديدة عبر خلق الحوارات وتشجيع طرق التفكير غير المألوفة، من خلال موضوع مختلف في كل موسم. وهذا العام، كانت الانطلاقة مع موضوع الزعزعة: الأثر الأول الذي تتركه الفكرة الخلاقة في النفس.

٤٥ متحدثًا و٥٠ فعالية ستحلق بنا في سماء الإبداع هذا الموسم خلال ١٧ يومًا. تتنوع المعارف المستهدفة فيها بين مجالات العلوم والتصنيع والموضة والاتصال، حتى تؤثر بشكل مباشر في الحياة اليومية للإنسان الحديث من زوايا مختلفة. على مستوى المعارض فإن معرض "المنطق والحواس" يستقبل ١١ فنانًا ومصممًا جمعهم الفن الحديث وألهمتهم الفوضى الخلاقة ليخرجوا عن المألوف. وعلى مستوى الندوات تحتضن "تنوين" العديد من صنّاع التغيير ليلهمونا بقصص نجاحهم ويكشفوا لنا آخر التقنيات والابتكارات في تخصصاتهم. ولأن حضور المعارض والندوات لا يكفي لصنع التغيير، كان لا بد من ورش العمل التي تحتضن المبدع الجديد وترشده إلى الطرق غير المألوفة للابتكار وتفتح له أبوابًا للإبداع عبر مختبر الأفكار. فالتغييرات الإبداعية المؤثرة ربما تبدأ من فكرة واحدة خارجة عن النمط.