المريض الذكي.. رحلة أقصر نحو الشفاء

7 أكتوبر 2018

  مستوحى من: محاضرة "بروفسور شافي أحمد" ضمن برنامج "تنوين".

هل يقدم الذكاء الاصطناعي ثورة جديدة في تشخيص الأمراض وعلاجها؟

تمس التقنية الحديثة حياتنا كل يوم بطرق مختلفة، وفي المقابل؛ لا شك أن المجال الصحي هو أحد أكثر المجالات تأثراً ومواكبة لهذا التطور. فحين يُطرح سؤال عن جدوى اختراع تقنية معينة، يكون أهم مقياس هو كيف يمكن أن تساهم في إنقاذ حيوات البشر. وبمجرد أن يبدأ توظيف هذه التقنية عملياً، فإن أولوية الاستفادة منها تكون للمجال الصحي، لأن تطويره يعني إنقاذ المزيد من الحيوات.

بسبب هذه الأهمية، كان لا بدّ أن يصاحب التطور التقني تطور في علاقة المريض والطبيب. وأحد أشكال هذا التطور هو نوعية المعلومات التي يملكها المرضى الآن. توفّر محركات البحث عدداً هائلاً من المصادر التي يمكن من خلالها أن يشخّص المريض نفسه، وهكذا فإنه يقيس بشكل أفضل إذا كان الأمر يستدعي زيارة الطبيب أو يكتفي بمعالجة بنفسه في البيت، فينتج عن هذا توفير كبير للوقت والمال. كما أن المريض الذي بحث قبل الزيارة يستطيع أن يصف أعراضه للطبيب بدقة أكبر، مما يمنع سوء الفهم الذي قد يتسبب في خسارات غير ضرورية للأرواح. هذا هو الجانب الإيجابي لفيض المعلومات التي يوفرها الإنترنت بضغطة زر. غير أن لهذا جانبه السلبي أيضاً.

جزء كبير من السلبيات يكمن في المصادر غير الموثوقة على الإنترنت. يقاوم العديد من المرضى نصائح الأطباء بمعتقدات خاطئة نتيجة اطلاعهم على آراء شاذة مبنية على تجارب شخصية وأسس غير علمية. حتى في المواقع الموثوقة، فإن اللغة المختصرة التي تصاغ فيها الأعراض على الإنترنت تجعلها مفتقرة للدقة، إذ يشترك التهاب رئوي عابر مع سرطان الرئة في كثير من الأعراض. يؤكد هذا ارتفاع نسبة المصابين بالتوهم المرضي؛ وهو حالة نفسية تدفع المرء للاشتباه بإصابته بمرض خطير بمجرد شعوره بأعراض طفيفة يضخّمها خوفه، فيطالب بالمزيد من الإجراءات والفحوصات، ونادراً ما يمكن للنتائج أن تطمئنه، الأمر الذي يكلفه مادياً ومعنوياً ويفسد علاقته بطبيبه.

بالرغم من هذا فإن الجوانب الإيجابية للتطور التقني في هذه العلاقة ترجَح بنسبة كبيرة. هناك العديد من المواقع المتخصصة على الإنترنت التي توفر استشارات طبية مع مختصين على مدار الساعة، بمقابل أو بالمجان، بحيث يعرض المريض حالته بالتفصيل في محادثة حية، وهذا التفاعل المباشر يقلل احتمالات التوهم المرضي. استخدام “الطبيب الافتراضي” صار شائعاً أيضاً، إذ يمكن بواسطة تطبيقات معينة على الهاتف الذكي أن تشخص أعراضك بدقة أكبر وتستبعد المزيد من الاشتباهات الخاطئة. يمكن أيضاً عن طريق الأجهزة المتطور مثل الساعة الذكية أن تسجل آلياً بعض المعلومات مثل معدل الضغط وتسارع نبضات القلب وتقدمها لطبيبك بشكل دوري ليكتشف أي مؤشرات غير طبيعية. بل صار من الممكن أن يملك الإنسان منذ ولادته قاعدة بيانات إلكترونية تحوي كل معلوماته الصحية لتشكل سجلاً دقيقاً وموثوقاً لصحته أينما كان. كما يمكن للطبيب عن طريق الذكاء الاصطناعي أن يحسب احتمالات إصابتك بمرض ما مستقبلاً فيتخذ الاحتياط المناسب، وهذا يشكّل ثورة كبيرة في تقليص خطر الأمراض الوراثية بالخصوص.

بهذا التطور، فإن علاقة الطبيب بمريضه لم تعد تبدأ بحضوره في الموعد، بل يمكن أن تكون نشطة قبلها بكثير. العديد من المستشفيات اعتمدت نظاماً إلكترونياً أكثر تفاعلاً، يمكّن من حجز المواعيد إلكترونياً والاطلاع على نتائج الفحوصات من الطرفين من أي مكان ويسهل التواصل بينهما مختصراً الكثير من الوقت والجهد. وحتى في حالات الطوارئ خارج نظام المستشفى، هناك تطبيقات ترجمة حديثة تستخدم اختصارات وإشارات بصرية لتجاوز حاجز اللغة بين المريض ومسعفه. إن استخدام هذه التقنيات بشفافية وتوسّع أكبر يحقق الهدف الأساسي لتطورنا، ألا وهو تحسين نوعية الحياة، وليس ثمة مقياس أفضل لهذا من تحسّن الصحة.