بالصوت: مشاعر زعزعة العلوم ما بين الأمل والمفاجأة والخوف‎

14 أكتوبر 2018

لا يختلف عاقلان على أن العلوم تقود حاضرنا اليوم وأنها ستحدد وجهة مستقبلنا، إذ فتش البشر في كامل تاريخهم عن القوانين الرئيسية التي تسوق الطبيعة وتفسر الظواهر الكونية بدقةٍ عاليةٍ، فقادنا ذلك إلى اكتشافنا في القرن الأخير للحمض النووي الذي هو جوهر الأحياء الجزيئية، وسبرنا أغوار المواد وتعمقنا إلى مستوى الكواركات التي هي أصغر مكوّنات الذرة، وانطلقنا إلى الفضاء الخارجي لتحط أقدام جنسنا البشري على القمر، واستكشفنا الكواكب والمجرات من حولنا بحثاً عن الحياة خارج الأرض، وما زالت العلوم تبهرنا كل يومٍ بتقدّمها وبما تكشفه لنا من أسرار هذا الكون وخباياه. ونظراً لهذه الطبيعة المتسارعة للتغيير في العلوم، يمكن أن نعتبرها كمثالٍ مثالي على الزعزعة المثيرة للمشاعر التي نعيشها في عالمنا اليوم، والتي يهدف برنامج تنوين إلى تسليط الضوء عليها وفحصها عن قرب.
يقوم عماد العلوم على ما يمكن رصده وقياسه بالحواس وإدراكه بالعقل، ولقد تعلمنا في المدرسة الابتدائية أن لدينا خمسة حواسٍ هي البصر، السمع، الشم، الذوق، واللمس، إلا أنها تُقدّم لنا أكثر من ذلك حقيقةً، مثل الشعور بالتوازن، إدراك الحركة والاتجاه، مرور الوقت، الألم، الاهتزاز، وغيرها الكثير. ويجمع جهازنا العصبي هذه المدخلات الحسية على شكل تدفقاتٍ من الإشارات العصبية الغنية من البيئة المحيطة، ويرسلها إلى دماغنا ليقوم بمعالجتها وإدراك الواقع بشكلٍ واعٍ، ولكن ماذا سيحدث لو تعرّضت حواسّك إلى مدخلاتٍ حسيةٍ مُحرفةٍ مُسبقاً؟ لا شك بأن تصوّرك للواقع سيتغير تبعاً لذلك، وستتكوّن في ذهنك نسخةٌ من الواقع غير موجودةٍ أصلاً، ولكنها ستكون بالنسبة لك بمثابة حقيقةٍ نتجت عن معالجة دماغك لتلك المعلومات التي قُدمت له، وهذا بالضبط هو ما يحدث في تقنية الواقع الافتراضي.
الواقع الافتراضي هو تقنيةٌ تصنع بيئة محاكاةٍ حاسوبيةٍ ثلاثية الأبعاد وتسمح لك بالتفاعل معها واستكشافها، وتُستخدم لأداء ذلك عادةً بعض الوسائل مثل نظاراتٍ تحوي شاشاتٍ ثلاثية الأبعاد، سماعات الرأس، قفازاتٍ أو أدوات تحكمٍ خاصةٍ، وعدداً من المستشعرات التي تحفز الحواس وتُحقق وهم الواقع. لقد تنوّعت استخدامات الواقع الافتراضي منذ اختراعه، وكان لألعاب الفيديو والأفلام السينمائية نصيب الأسد منها وهي أخذةٌ في الاتساع يوماً بعد يوم، وتتضارب الوعود والتوقعات والمخاوف في وضع رأي واقعي أو استباقي لأثر هذه التقنية على حياتنا. فكيف يجب أن ننظر اليوم إلى تقنية الواقع الافتراضي وكيف سنتعامل معها مستقبلاً؟ فلنطلع سوياً على أفكار بعض مستخدميها ولنتعرف على ردود أفعالهم العاطفية تجاه تأثيرات هذه التقنية المزعزعة.

تقنيةٌ مشبعةٌ بالأمل
إن التعليم هو حجر الأساس لازدهار المجتمعات، ولطالما كان لتحسين طرق نقل المعرفة بين الأجيال أولويةً قصوى لكل الحضارات. وكمعلمةٍ في مدرسةٍ ثانويةٍ، أرى أن المجال مفتوحٌ لجعل التعليم تفاعلياً أكثر مع الطلبة، مما سيعطيهم وصولاً ممتعاً وسهلاً إلى المعلومات باستخدام التقنيات الرقمية الحديثة، وسيحقق المعنى الحقيقي للتعلم بفهم المعرفة وتوظيفها المباشر في حياة الطالب. ولهذا فكرت ملياً في إدخال تقنيةً الواقع الافتراضي إلى مجال التعليم، والتي أظن أنها ستحدث نقلةً نوعيةً في الأسلوب والمحتوى، فانغماس الطالب فيما يتعلمه وتفاعله معه سيحفز ذهنه بالكامل ويرفع من فعالية العملية التعليمية.
طوال سنوات عملي في مجال التعليم، لم أرى تقنيةً ثورية مثل الواقع الافتراضي، فهو يتيح لنا إدراك مالم نستطع تحقيقه في الواقع، فلن يقتصر التعلم على الرسوم التوضيحية والكلام الوصفي في الكتب فحسب، بل سيصبح ممكناً أيضاً استكشاف المعلومة عن كثب وبطريقةٍ تفاعليةٍ، ويسمح لنا الواقع الافتراضي بالمجازفة وتعلمُ أشياءٍ دقيقةٍ أو خطرةٍ، وتجربة تجميع أو تفكيك الأشياء. أضِف إلى ذلك تعامل الدماغ مع تجارب الواقع الافتراضي على أنها حقيقيةٌ، وهو ما يشجع على العمل والإبداع.
لقد واجهت في عملي تفاوتاً كبيراً في قدرات الطلاب على تلّقي المعلومات، ولاحظت أن عملهم في المختبرات يجعلهم أكثر حماسةً وتجاوباً، لكن تكمن المشكلة في التكلفة الباهظة لبعض الأدوات والأجهزة المختبرية أو خطورة إجراء بعض التجارب، فجدوى هذا الأسلوب لا زال مقتصراً على جوانب معيّنةٍ ومحدودةٍ. ولكنني ألمح الحل لهذه المحدودية في استخدام الواقع الافتراضي وقدرته على توسيع وتعميق التعلم العملي، وإلهام الطلاب للاكتشاف وتنمية الفضول المعرفي من خلال تجربة الأشياء بأنفسهم عوضاً عن قراءتها في كتابٍ أو على الإنترنت، إذ يُمكن لجهازٍ صغيرٍ للواقع الافتراضي أن يعمل كمختبرٍ متكاملٍ. كما يُمكن للواقع الافتراضي أن يُساعد الطلبة على الانخراط في مهنٍ مختلفة لتجربتها، وتخيّل أنفسهم في مكان الآخرين ومعرفة ما يدرسه الشخص في كل مهنةٍ. إنّ أسلوباً كهذا سيساعدهم في تحديد ميولهم وإدراك ما يحبونه حقاً وما يُعبر عن طموحهم وأحلامهم، حيث سيصبح لديهم مخزونٌ مفيدٌ من الخبرة والألفة تجاه مهنٍ مختلفةٍ.
يمكن استخدام تقنية الواقع الافتراضي لإشراك الطلاب في رحلةً تخترق حدود الزمان والمكان في دروس الجغرافيا، التاريخ، الأدب وغيرها، فتخيّل لو أمكن للطلاب زيارة الأماكن التاريخية أو السفر عبر الزمن للقاء شخصياتٍ بارزةٍ في عصرها للتعرف على أعمالهم وإنجازاتهم، وأن يكون لدى كل مؤسسةٍ تعليمية مكتبةً من الرحلات الميدانية المتاحة المتنوعة، والتي ستشمل بقاعاً من أقصى الأرض إلى أعالي الفضاء وتتيح زيارة الأماكن التي يصعب زيارتها فعلياً. وبعد تجربة ذلك فعلياً مع طلابي قبل عدةِ أشهر، فلا شكّ عندي بأن هذا الأسلوب أكثر إثراءً لمعارف الطلبة، وسيطبع في ذاكرة الطلاب تجربةً لا تنسى، حيث سيحفز الواقع الافتراضي مشاعرهم وجوارحهم، وردود الفعل هذه سُتخزّن في اللاواعي من ذكرياتهم.
من ناحيةٍ أخرى، أجدُ بأن الواقع الافتراضي سيخطو بالتدريب المهني خطواتٍ كبيرة كما هو الحال مع التعليم، لا سيما في المجالات المتقدمة مثل الطب، الهندسة، العسكرية، تدريبات الطيران، والتعامل مع الكوارث. ففي المجال الطبي على سبيل المثال، يستغرق تدريب الأطباء والممرضين على الإجراءات الروتينية وقتاً طويلاً، ويستدعي أن يقدم الدورة التدريبية أحد الخبراء الذي يكون غالباً مشغولاً ومُكلّفاً، بينما يُعدّ إدخال المتدرب في محاكاةٍ واقعيةٍ لإجراء وممارسة الخطوات والتقنيات أفضل بكثيرٍ من مشاهدة مقطعٍ مرئيٍ، أو حتى الحضور في غرفةٍ مزدحمةٍ لمشاهدة ذلك الخبير.
إن التفكير في فوائد الواقع الافتراضي يجعلني متحمسةً فعلاً لدمج التعليم والتدريب ويصبح جزءًا جوهرياً فيهما ويجعلهما أكثر فعالية، خاصةً مع اتجاه أدوات الواقع الافتراضي لأن تكون أقلّ تكلفةً، وما تتميّز به من سهولة التحكم، وأنها ذات سيناريوهاتٍ قابلةٍ للتكرار والتعديل، وتُقدّم تغذيةً راجعةً فوريّةً. والجميل أيضاً هو ما وجدته الدراسات الأخيرة من أن نسبة الذين يرغبون في توفير المحتوى التعليمي في الواقع الافتراضي تفوّقَ على نسبة الراغبين في توفير محتوى الألعاب، وهذا باعثٌ كبيرٌ للأمل بأن الخبرات التعليمية في الواقع الافتراضي هي أمرٌ مرغوبٌ لدى الكثير، وأننا على عتبةِ قفزةٍ علميةٍ تقنيّةٍ ستغيّر من مفهوم التعليم بالكليةّ، وستجعل الوصول إلى المعرفة متاحاً على نطاقٍ أوسع وبأسعارٍ معقولةٍ للكثير لتُلهمَ جيلاً جديداً مستعداً للابتكار وتغيير العالم.

عندما تُدهشنا العلوم
لقد كنت من أوائل الذين جربوا ألعاب الواقع الافتراضي، لكني لم أكن أتوقع على الإطلاق أن يمتد الواقع الافتراضي إلى ما هو أبعد من الترفيه، بل وأن يتكامل بطريقةٍ مدهشةٍ مع مجال عملي، إذ أعمل في مستشفى تخصصي بأمراض الأعصاب والأمراض النفسية، وتتفاوت الحالات المرضية التي تمر علينا يومياً من حالاتٍ بسيطةٍ سريعةٍ إلى حالاتٍ معقدةٍ وتتطلب وقتاً طويلاً ومتابعةً مستمرةً. لقد رأيت بأم عيني كيفية مساهمة التقنية بشكلٍ غير متوقع في علاج بعض الحالات المرضية، فإذا كان لديك خوفٌ غير منطقيٍّ من شيءٍ ما، فبلا شك سيكون هو أكثر مالا ترغب في رؤيته في الواقع، ناهيك عن الواقع الافتراضي! لكن ما يحدث هو العكس، فهذه هي إحدى أكثر الوسائل الطبية التي اعتمدها الأطباء لاستخدام الواقع الافتراضيّ، حيث يُعالج الرهاب بأسلوب علاجي يُعرف بالتعرض التدريجي، والذي يتم فيه تعريض المريض إلى مخاوفه ببطءٍ وبتدرجٍ مدروسٍ إلى أن يفقد خوفه وقلقه منه.
لقد حصلت حالات المخاوف والرهاب على الحصة الأكبر من العلاج باستخدام الواقع الافتراضي، وتصدّر الخوف من المرتفعات القائمة كأول الحالات النفسية التي أثبت الواقع الافتراضي جدواه في علاجها، فهل كنت تتخيّل أن تطوّر أساليب العلاج بالواقع الافتراضي قد يصل إلى أن يتم تحويل بعض الحالات كلياً للعلاج الافتراضي دون الحاجة إلى متابعةٍ مباشرةٍ من الطبيب المُعالج؟ لقد كان مفاجئاً بالنسبة لي إمكانية أن يُستغنى عن المُعالج النفسي، فمن المعروف أن التواصل البشري هو جوهر العلاج النفسي الإكلينيكي، وهذا ما اعتقدناه جميعاً لوقتٍ طويل. وعلى الرغم من ذلك تبدو لي تقنية الواقع الافتراضي مثاليةً جداً لاستخدامها في العلاج، إذ يمكن تعديلها بدقةٍ لتتوافق مع احتياجات كل مريضٍ، ويمكنني كطبيبٍ متابعة تطوّر حالة مرضاي من مكتبي، وتعديل التجارب والاختبارات التي يخوضونها في الواقع الافتراضي وفقاً لحالة كلٍ منهم واحتياجه.
مما يخطر في مخيلتي أيضاً تصاعد الأدلة العلمية التي تشير إلى دور تقنية الواقع الافتراضي في تخفيف الألم، حيث أن أجزاء الدماغ المرتبطة بالألم المُتمثلة بالقشرة الحسية الجسدية والفص الجُزيريّ تظهران نشاطاً أقل عندما يكون المريض مغموراً ومندمجاً في الواقع الافتراضي، وهذا يوسّع من إمكانيات تقنية الواقع الافتراضي في الطب، ليس فقط في تشتيت انتباه المرضى عن آلامهم ومعاناتهم فحسب، بل وتدريبهم على تعلم تمارين التنفس العميق مثلاً، أو إكسابهم القدرة على التحكم في ضربات القلب. كما يمكن من خلال الواقع الافتراضي تقليل الحاجة إلى الأدوية المُهدئة، ومساعدة مرضاي على تحمّل الإجراءات الطبية المؤلمةً جداً، وإخراجهم من حالات التوتر الشديد، والذي يقف عادةً خلف العديد من الأمراض مثل الاكتئاب، القولون العصبي، واضطرابات المعدة والأمعاء بشكلٍ عام.
كما يُمكن لمبتوري الأطراف الاستفادة من العلاج بالواقع الافتراضي، فهم يشعرون بآلام شديدة في مكان الطرف المفقود، وهذه من الحالات التي يصعب علاجها بالطرق التقليدية لكوننا لا نفهم أسبابها أساساً، ولا تستجيب عادةً للمسكنات القوية بشكلٍ جيّد. إلا أن الواقع الافتراضي منحنا أعجوبةً تدعى بـ “علاج المرآة الافتراضية”، وهي تهدف لمساعدة المرضى في التعامل بشكلٍ أفضل مع هذا "الألم الشبحيّ"، حيث يرتدي المريض أداة الواقع الافتراضيّ ويتحكم بنسخةٍ افتراضيةٍ من طرفه المفقود.
لم أكن أتوقع يوماً أن يتعدّى استخدام الواقع الافتراضي حدود العلاج النفسي، حيث وصلت تطبيقاته إلى التأهيل الحركي لمرضى السكتات الدماغية والصدمات العصبية وفي العلاج الطبيعي، إذ يُمكن استخدام تقنية الواقع الافتراضي لتتبع حركة الجسم، وهو ما يسمح للمريض باستخدام حركات تمارين العلاج كلعبةٍ تفاعليةٍ في واقعٍ افتراضيٍّ، وهذا بالطبع سيكون أكثر متعةً وتحفيزاً، كما أنه يُساعد في تطوير برامجٍ تأهيليةٍ أفضل من خلال دراسة تفاعل الأشخاص في الواقع الافتراضي. ولقد وجدت دراساتٌ عديدةٌ أن للواقع الافتراضي تطبيقاتٌ كثيرةٌ في علاج أمراض لم نكن نتصور شفاءها أبداً، مثل الشلل السفلي الناتج عن قطع الحبل الشوكي الكامل، وهو موضوعٌ فاجأني جداً وأثار حماسي خصوصاً مع كثرة هذه الحالات في المملكة العربية السعودية الناتجة عن حوادث السيارات والعمل.
لقد لمست اهتماماً متزايداً من الأطباء حولي ومن مختلف التخصصات بالواقع الافتراضي واستخدامه في الرعاية الصحية، ولكنه أسلوبٌ علاجيٌّ جديدٌ كلياً، وينبغي ألّا يبقى المرضى في عالمهم الافتراضي إلى الأبد، بل يتعلمون من خلاله مهاراتٍ مختلفةً كالتحكم بأجسادهم وإدراك تأثير أفكارهم، ومن ثمّ استخدام تلك المهارات فيما بعد في حياتهم الواقعية المادية.

هل هناك ما ينبغي الخوف منه؟
من ناحيةٍ أخرى، غالباً ما يملك الآباء والأمهات نظرةً مغايرةً تجاه التقنيات الناشئة، وينبع ذلك من خوفنا الفطري على أبنائنا ونتائج التقنيات الجديدة وغير المجربة. وكطبيب عيونٍ، لا أعتقد أنه توجد هناك أبحاثٌ كافيةٌ تدعم ما يوجد اليوم في الأسواق، وأنك في الحقيقة تخدع دماغك دون أن تعرف التأثير طويل المدى لذلك، وما الذي يمكن أن ينتج عن التعرّض التراكمي لمحتوى الواقع الافتراضي. بينما تظهر بعض الآثار قصيرة المدى الناتجة عن إرباك اتصال العين بالدماغ، ففي حين تقترن رؤية العينين معاً في الدماغ في العالم الحقيقي، ينفصل هذا الاقتران في الواقع الافتراضي مما يُربك الدماغ ويتسبب لبعض الأشخاص بالدوار، إجهاد العين، الصداع، وأحياناً الغثيان، وهو ما رأينا حدوثه بالفعل عندما طُبقت هذه التقنيةُ في عالم الألعاب في الأعوام الماضية. وعلى الرغم من أخذ علم وظائف الأعضاء في الاعتبار عند صنع محتوى الواقع الافتراضي، إلا أنك شاهدت الكثير من المحتوى غيّر المدروس، والذي يتضمن حركاتٍ سريعةٍ قريبة أو ومضاتٍ ضوئيةٍ قويّة مفاجئة ترفع من خطر الإصابة بالإجهاد.
إنّك بمجرد ارتدائك لنظارة الواقع الافتراضي تصبح أعمى عمّا حولك، وهذا يُشكّل خطورةً إذا ما اُستخدمت هذه التقنية دون إشراف، أو في مساحةٍ ضيّقة، فأنت بذلك تُعرّض نفسك للأذى إذا لم تأخذ بتعليمات السلامة، كأن يصطدم رأسك بحائط أو تُكسر أحد أطرافك، وإنّ وجود شخص لمراقبتك والإشراف عليك هو أمرٌ إلزامي، لكن هل نستطيع الجزم بأن الجميع سيأخذ تعليمات السلامة بالجدّية المطلوبة؟
ثمّ كيف يُمكن تجاهل المخاوف الصحية البصرية؟ فالواقع الافتراضي يكاد يعتمد كلياً على تركيز العين، وكونك مغموراً في الواقع الافتراضي يجعل أخذ فترات راحةٍ للعين أمراً صعباً كما يحدث أثناء استخدام الهواتف الذكية، وذلك يزيد التأثير السلبي على العين، مما قد يؤثر على نموها لدى الأطفال أو يسبب عدداً من مشاكل الإبصار كاستطالة العين وقصر النظر. فالإعاقات البصرية بمجملها تُعد مشكلةً متناميةً أصلاً في جميع أنحاء العالم، وأخشى أن يُفاقم الواقع الافتراضي من هذه المشكلة، فهناك ما يُشير إلى أن 4 من كل 5 أشخاص يُصابون بالإعاقة البصرية، وأنّ ما يقارب80% منها كان بالإمكان تجنبها.
مما يقلقني أيضاً الكيفية التي يُمكن للواقع الافتراضي أن يؤثر بها على إدراكك للواقع! فالتجربة الجيّدة للواقع الافتراضي تُخزن في مركز الذاكرة في الدماغ بطرقٍ تشبه إلى حدٍ مخيف التجارب الحقيقية، فقد سبق وتم تعريض مجموعةٍ من الأطفال لتجربة الواقع الافتراضي، ثم سؤالهم عنها بعد أسبوع، فكان اعتقادهم بأن التجربة كانت حقيقية! وقد تبدو هذه النقطة إيجابيةً إذا كان المحتوى تعليمياً أو مُلهماً، لكن ماذا لو كان عنيفاً أو مخيفاً؟ أجدُ أن الألعاب اليوم تميل بشكلٍ مريبٍ إلى العنف والقتل، وقد تُبنى اللعبة على قتل أكبر عدد من الأشخاص أو حتى إطلاق النار على نفسك. وهذا النوع من الألعاب مقلقٌ لانتشاره في ألعاب الفيديو والحاسوب، فكيف إذا أصبح اللاعب مغموراً فيها؟
يتسبب المحتوى المخيف أو العنيف في تفاعل الجسد مع مؤثرات الواقع الافتراضي، كزيادة معدل ضربات القلب وضغط الدم، ويمكن حتى أن يصل إلى ردود فعلٍ نفسيةٍ تتمثل في ارتفاع مستويات التوتر والقلق، الخوف، أو حتى اضطراب ما بعد الصدمة. وربما لن نستطيع حصر التأثيرات السلوكية بعد، خصوصاً لدى المراهقين والأطفال، فكيف سيؤثر ذلك على تفاعلهم في العالم الحقيقي ونموّهم الإدراكي والمعرفي؟ يجب عليك أن تكون متيّقظاً ومُلمّاً ليس بالواقع الافتراضي فحسب، بل بجميع وسائل الإعلام التي تتعرّض لها أو يتعرّض لها أطفالك. فمن شأن الإشراف المباشر أن يخفف التأثيرات السلبية لهذه التقنية، كما يلزم مراقبة الأطفال خصوصاً والتنبّه لأيّة توتراتٍ عضليةٍ لا إرادية، أو اضطرابٍ في التوازن وعدم إهمال هذه المؤشرات التي قد تُنذر بمشاكل صحيةٍ محتملة.