ما يخبئه المكياج ويكشفه سلافا

7 أكتوبر 2018

مستوحى من: عرض "سلافا الثلجي" على مسرح إثراء

يضحكنا المهرِّج قبل أن ينبس ببنت شفة وقبل أن يقوم بأية حركة، يضحكنا من وجهه وملبسه. إنه يحوِّل نفسه إلى نكتة متحركة… ومن هنا يبدأ الضحك.. الأنف الكروي الكبير وأحمر الشفاه الممتد إلى ما لا نهاية والرأس الأصلع بنتوءات شعر برتقالية من كل جانب وقبعة لا تتناسب وحجم الرأس… وملابس بمقاسات عشوائية مخططة ومرقطة.. ومعطف واسع وسروال قصير وحذاء ضخم.. ويبدأ الاستعراض... وإذا كان سيركاً فالسيرك لا يبدأ بتاتاً إذا لم يبدأ بدخول المهرِّج أولاً إلى وسط الحلبة لإيقاظ الحماسة والفرح في قلوب الجموع وإدخالهم في المزاج المطلوب لمتابعة الاستعراضات التي تتوالى ليقطعها المهرج نفسه بين الفينة والأخرى مجدداً الحماس والغبطة! حلم كل مهرِّج هو الوصول بالمشاهدين إلى ذروة الضحك.. الضحك المتفجر الذي يفلت من السيطرة، وهذه هي لحظة انتصاره واعتزازه بالفوز الكبير.

ولد المهرِّج من رحم حاجة الإنسان إلى الضحك، ليكون نقيض الجد في كل شيء، وكثيراً ما نجد بيننا أو بقربنا “مهرِّجاً” غير محترف، صديقاً أو قريباً أو أحد أولاد الحارة الذي يقفز ويقوم بحركات مضحكة مزعجة في آنٍ معاً أمام كل عابر طريق. وصلة المهرِّج بهذه الحاجة الإنسانية العميقة – الضحك – أعطته دائماً طعماً خاصاً لا يشترك فيه مع الآخرين، وتحول إلى مهنة منتشرة لها أربابها ونجومها وثقافتها وفنونها، كذلك كتبها ومراجعها ومتاحفها.
غير أن مهرِّجنا الذي يحوِّل نفسه إلى أضحوكة يتهدده دوماً خطر محدق.. أن يصل يوم يتوقف فيه عن الإضحاك وتتعثر قدرته على إثارة هرج ومرج الناس! وكم يتكرر مشهد المهرِّج الذي خرج من حلبة السيرك أو خشبة المسرح عائداً إلى غرفته حزيناً هضيم الجناح يزيل عن وجهه ملامح التهريج، فينظر إلى ذاته وتقابل عيناه عينيه في المرآة لتسألهما عن الخيبة والفشل.. وهو الذي رضي متواضعاً أن يسخّر نفسه لتكون موضوع الضحك، سمح لذاته “المضحوك عليها” هذه أن تقصّر في نيل حتى هذا المجد المعكوس! (يتلازم الضحك والبكاء في شخصية المهرج حتى في زينة وجهه).

كنّا إذا نسينا المهرِّج في الماضي عاد إلينا فجأة ليضحكنا أكثر. لكننا اليوم والمهرِّج أمام سؤال: هل يعود المهرِّج ثانية؟ أم أن العالم قد تحول عن هذا الضحك الجميل البريء؟.