الحب كمعضلة روبوتية

28 أكتوبر 2018

 

الدكتور أشرف فَقِيه هو كاتبٌ مهتمٌ بالخيال العلمي، أكاديمي، وباحثٌ سعودي حاصلٌ على درجة الدكتوراه في علوم الحاسب الآلي من جامعة "كوينز" في كندا، وعمل سابقاً كأستاذٍ مساعد في علوم الحاسب الآلي في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وكمشرفِ على العلاقات والتواصل المجتمعي، ويشغل حالياً منصب مدير قسم العلاقات والشراكات العامة في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء). وله أعمال أدبية في الخيال العلمي والفانتازيا التاريخية، وعمل في فتراتٍ متفرقةٍ ككاتب مقالات الرأي في مختلف الصحف. ولقد شارك في برنامج تنوين بمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) بمحاضرةٍ عنوانها "خوارزم الحب"، وذلك في الْيَوْمَ 19 من أكتوبر 2019 م بمدينة الظهران، وتحدث في هذه المحاضرة عن تقدم العلم في تصنيع التقنيات والأجهزة التي تحاكي العقل البشري، وعن إمكانية صنع روبوتاتٍ في المستقبل القريب تقدر على معالجة مشاعر الحب، وناقش أيضاً العوائق التي تقف بيننا وبين صنع هذه الآلات والعواقب التي قد تترتب عليها.
بدأ الدكتور فقيه بالتعريف بمعاني كلمات عنوان المحاضرة "خوارزم الحب"، فقال أن كلمة "خوارزم" (أو ألقوريثم بالإنجليزية) تعني مجموعةً من القواعد الرياضية المنطقية، وتُنسب تسميتها إلى العالم "محمد بن موسى الخوارزمي" من منطقة خوارزم الذي سكن ما يُسمى الْيوم دولة أوزبكستان، إذ اكتشف طرقاً لحل المعضلات الرياضية بخطواتٍ معينةٍ تختار الحلول وتطبقها لتحديد ما إن كانت مناسبةً بشكلٍ تسلسلي، وبإمكان أجهزة الحاسوب أو الآلات الخاضعة للبرمجة القيام بهذه العمليات. أما الحب، فقال أنه يستحيل تعريفه لأنه حير الشعراء، والفلاسفة، والمفكرين، والحب بالنسبة للإمام ابن حزم الأندلسي هو اتصالٌ أساسه كيانٌ كبيرٌ قُسِم على نفوس البشر في أصلها، وأما بالنسبة للطبيب والمُفكر مصطفى محمود الحب فهو عبارةٌ عن نبضاتٍ كهربائيةٍ تصدر من الدماغ، والتي تشغل الغدد لتفرز عدة هرموناتٍ تحفز أعضاء الجسد لتتفاعل وتشكل ما نسميه الحب، ونرى أن هنالك فرقاً شاسعاً بين التعريفين، وعدا عن ذلك فهناك أنواعٌ عدةٌ للحب، منها حب الناس، وحب الجمادات، وحب المفاهيم المجردة، وغيرها.
تطرق الدكتور فقيه بعد ذلك لسؤالٍ مهمٍ: هل ستتمكن الآلات في المستقبل من أن تحب البشر بعد أن تصل لمستوى عالٍ من الذكاء أو الوعي بالذات؟ فتحدث عن كتاب "عصر الآلات الروحية" لعالم المستقبليات "ريموند كرزويل"، والذي يناقش فكرة "الوحدانية" (أو نقطة التفرد) التي تتمحور حول احتمالية وصول الآلات لمستوى ذكاء البشر أو حتى أكثر، ويتنبأ الكاتب بحدوث ذلك في المستقبل القريب خلال العقود القادمة، فقدرة الآلات تتضاعف باستمرارٍ ونحن نعيش ذلك في حياتنا اليومية، وهي قادرةٌ الآن على قراءة تعابير الوجوه وتعلم معانيها وتحليل بيانات المستهلك لتحديد حالته العاطفية والمزاجية. وهنا طرح الدكتور فقيه أسئلةً مهمةً: ما هي الاحتمالات التي قد تنتج عن هذه الدرجة من الوعي لدى الآلات؟ وما هو نوع علاقة الحب الناتجة من ذلك بين البشر والآلات؟ فالحب لدى الإنسان هو عمليةٌ معقدةٌ جداً تمر بتقلباتٍ وتغيراتٍ منها الإيجابية ومنها السلبية.
للإجابة على هذه الأسئلة الشائكة، تحدث الدكتور فقيه عن أهمية وجود قواعد مُنظمةٍ لأخلاقيات الروبوتات يتفق عليها الجميع لتكون نقطة بداية التفكير، فالمستقبل محفوفٌ بمخاطر الأجهزة الذكية التي تضعنا مقابل معضلاتٍ أخلاقية نواجهها للمرة الأولى في تاريخ البشرية، مثل الحرية المتاحة لهذه الآلات واحتمالية قدرتها على تعريض نفسها لآلام الحب والتعبير عنه، أو تعريض الإنسان في الطرف الآخر من العلاقة للألم الناتج عنها. ولحسن الحظ، وضع الدكتور إسحاق عظيموف في الأربعينات الميلادية من القرن الماضي ثلاثة قوانين أخلاقية للروبوتات كجزءٍ من أعماله الاستشرافية، وأولها يحظر على الروبوتات إيذاء البشر، والقانون الثاني يأمرها بأن تطيع الإنسان، وأما الثالث يقول أن على الروبوتات حماية نفسها إلا في حال تعارض ذلك مع القانون الأول والثاني.

انطلاقاً من هذه النقطة، قال الدكتور فقيه أن جواب السؤال القائل بما إن كان من الممكن تحويل علاقة الحب السامية إلى خوارزم رياضية نعلمها الأجهزة الآلية هو نعم، فأدبيات علم النفس مليئةٌ بالمحاولات الرامية للتوصل إلى معادلةٍ رياضيةٍ تصف الحب، ولكنه تساءل عن إمكانية تطبيق هذه المعادلات على أجهزةٍ قد تبدو غير لطيفةٍ أو مخيفةً للبعض، بما في ذلك من الذائقة واللمسة الإنسانية ومعايير الجمال وإظهار العواطف، وتساءل أيضاً عن سبب رغبتنا في تطوير مثل هذه الآلات، فهل نريدها أن تحبنا ونحبها لإكمال نقصٍ نعيشه؟ أم هل نريدها أن ترضى بِنَا وبعيوبنا ونرى فيها الصورة الأكمل لنا؟
قال الدكتور فقيه أنه يرى أن المشكلة الأولى في تصنيع هذه الآلات يكمن في صعوبة محاكاة مصدر الحب، ألا وهو الدماغ الذي نجهل كيفية عمله بكامل تفاصيله الدقيقة، كما ان مهمة الدماغ البشري هي خدمة الإنسان أساساً ووضع مصلحته الأحيائية فوق كل شيءٍ، ويترتب على ذلك أضرارٌ جسيمة ما إن عملت الآلة بناءً على هذا المبدأ، حيث سيقودها ذلك للإضرار بالحبيب بشكلٍ يتعارض مع القوانين الأخلاقية للروبوتات. كما أننا لا نعرف ماهية الأصل العصبي للحب وكيفية معالجة الدماغ له أيضاً بالرغم من النظريات الكثيرة حوله، فكيف يمكن أن نحاكي شيئاً لا نفهمه تماماً؟ فمثلاً، من المعروف أن مشاعر الحب تتأثر بالبيئة المحيطة للفرد وتربيته، وقد يقع الإنسان ضحيةً لبيئاتٍ غير صحيةٍ تعيقه عن المعالجة الصحية للحب، وقد يكون تعليم الحب للروبوتات خاطئاً على هذا الأساس، فهل سنقبل لهذه الروبوتات أن تُعلِم أبنائنا الحب ونعرضهم لذلك الخطر؟
إن العديد من الأسئلة التي طرحها المتحدث عن فهمنا الإنساني لمعنى الحب وأصله لا نملك الإجابة عليها، ولكن من المهم أن ندرك احتمالية وجود الآلات القادرة على الحب في المستقبل القريب، ويجب علينا أن نتساءل عن العواقب الأخلاقية التي قد تترتب على وجود هذه الروبوتات الواعية بنفسها بيننا، فهل ستكون في هذه الحالة شريكةً للإنسان أم تابعةً وخادمةً له؟ ومن غير المستبعد أنك ستضطر إلى طرح هذه الأسئلة في حياتك اليومية في المستقبل القريب.