الخيال.. طبيبٌ آخر

9  أكتوبر 2018

مستوحى من: ورشة "حقائق الواقع الطبي" ضمن برنامج "تنوين"

كيف تساهم تقنية الواقع الافتراضي في تخطي الألم؟

من الشائع أثناء انتظارك في المستشفى أو داخل عيادة طبيب أن تجد أمامك صورة كبيرة لشاطئ رملي واسع، أو تجد جزءًا من السقف ملوناً على شكل سماء شديدة الزرقة، أو حتى ورق جدران على شكل غابة كثيفة. يعلم المريض أن هذه الحيل البصرية لا تجعل المكان شاطئًا أو غابة، لكنه يسمح لنفسه بالانجراف في خياله، لأن كل ما يهم لحظتها هو الأثر الذي يتركه هذا الخيال في نفسه. كلمات مثل التسلية، الإلهاء، وتشتيت الانتباه ليست سلبية دائمًا. فعلى مر العصور، ابتكر الإنسان طرقًا عديدة لتجاوز الألم عن طريق التشتيت، بل يكاد ذلك أن يكون ردة فعل غريزية له بمجرد شعوره بالألم، نفسياً كان أو جسدياً، وبوعي أو بدون، إذ قد يلجأ الجسد ذاته فسيولوجيًا لحيل مشابهة في سبيل مقاومة أوجاعه.

في مجال ألعاب الفيديو مثلًا يعمل صانعو هذه الألعاب على تبني حيل الإلهاء لأغراض ترفيهية، لكنها ذات منافع أكثر جدية في مجالات أهم كالرعاية الصحية. وأكثرها تأثيرًا هو ما يعرف بتقنية الواقع الافتراضي، التي يمكن أن تنقل كل حواس مستخدمها إلى عالم موازٍ متقن التصميم، فتوفر له تجربة خيالية شديدة القرب من الحقيقة، بواسطة أجهزة مثبتة على الرأس تعرض واقعها الافتراضي بصريًا وسمعيًا، أو حتى بواسطة أجهزة يدوية تحاكي التجربة الافتراضية عن طريق اللمس.

في الآونة الأخيرة وفّرت بعض المستشفيات لمرضاها أجهزة تدعم هذه التقنية. فحين يشعر المريض بالألم فإنه لا يحتاج أكثر من نظارة تنقله لبيئة أخرى تنسيه آلامه. يمكن للمريض فوق سريره أو كرسيه المتحرك أن يجسد شخصيّة افتراضيّة في مواقع ذات طبيعة خلابة أو أماكن رفاهية لم يحلم بزيارتها من قبل، وقد يخوض مغامرة في أماكن خيالية لم توجد قط، فيبتعد لفترة مؤقتة عن بيئة المستشفى بكل أعبائها الجسدية والنفسية، ليعود بعدها منتعشًا ذهنيًا وأكثر قابلية للاستجابة لنصائح الطبيب وتعليمات الممرضين. أثبتت هذه التقنية فاعليتها في تخفيف علامات التوتر والخوف، بل وحتى منع الشعور بالألم كليًا لدى المرضى ذوي الخيال الأكبر. تذكر صحيفة (واشنطن بوست) حادثة غريبة تم فيها استخدام نظارات الواقع الافتراضي لأول مرة خلال عملية ولادة، وقد اختارت الأم أن تلد دون إجراء عملية قيصرية أو استخدام مخدّر. ومع بدء العملية واشتداد المخاض، وضعت النظارة التي خففت عنها الكثير من الآلام والقلق وخطفت معظم حواسها بعيدًا عن محيطها لأكثر من ساعتين متواصلتين حتى أنجبت طفلها الثاني.

لا يقتصر استخدام هذه التقنية على المستشفيات. قد تكون خيارًا للفرد في غرفته الخاصة إذا تم استخدامها بشكل صحي، بل وحتى في مكتبه أثناء تعرضه لضغوطات كبيرة في العمل. من الممكن أن تساهم هذه التقنية في إعطائه نافذة لتفريغ الضغوط وصرف الانتباه المؤقت والاسترخاء الفوري فينشط ذهنه ليعود للإنجاز بحماسة أكبر. كما أن الكثير من الإحباط الذي يشعر به الإنسان الحديث مرتبطة برغبته في خوض تجارب لا تسنح له لعدم توفّر الإمكانيات أو الوقت، وهنا يمكن أن تشكل له هذه التقنية تعويضًا مؤقتًا يخفف إحباطه ويحسن صحته النفسية، وربما يتشجع على بذل جهد أكبر لخوض التجربة الحقيقية. المهم أن نتذكر دائماً أنها وسيلة وليست غاية في ذاتها، حتى لا تتحول إلى أداة تدمير ذاتي مثل كل إدمان حديث، لأن الإلهاء في النهاية يجب أن يكون وسيلة للتقوّي على الواقع وليس طريقة أخرى للهزيمة.