مواكبة التغيير وفرادة المقاومة

16 أكتوبر 2018

مستوحى من: ورشة عمل للبروفيسور كارلو راتي

كيف نستجيب للتغييرات في عالم متزعزع؟
ينقسم الناس حسب سرعة استجابتهم للتقنية الحديثة إلى خمسة أنواع: فأولًا يأتي المكتشفون الذين يسارعون إلى اقتناء كل جديد بهدف أن يكونوا أول من يقتنيه، مثل صفوف المنتظرين أمام متجر آبل عند طرح أحدث نسخة من هاتف آيفون. وثانيًا يأتي المبادرون الذين يقتنون الجديد عن علم ودراية في المراحل الأولى لطرح التقنية رغم تشكك الجميع، فيساهمون في إزالة الشكوك وتغيير الرأي العام وتخفيف حدة المقاومة. وبعدهم تأتي الأغلبية المبكرة: وهذا يشمل الدفعة الأولى من المستخدمين المساهمين في انتشار التقنية، والذين يشكلون حركة ترويجية تؤكد استحقاق التقنية للانتشار. ورابعًا تأتي الأغلبية المتأخرة: وهذا يشمل الدفعة اللاحقة من المستخدمين الذين يتبنون التقنية بعد شيوعها وإثباتها لتفوقها لتصبح هي الخيار السائد والمعتاد. وأخيرًا يأتي المقاومون المتشبثون بتشككهم رغم كل شيء، أولئك الذين لا يغيرون موقفهم حتى يصلون إلى مرحلة لا يعود فيها الاستغناء عن هذه التقنية خيارًا واردًا.

تتعلل هذه الفئة الأخيرة بأن كل جديد هو موضة ستزول سريعًا، وربما يتفاخر بعضهم بكونه يختلف عن الجميع في عدم انخداعه بالفقاعة. لكنه مع الوقت يفقد الحجج التي تدعم موقفه إذ يرى التغييرات التي يرفضها وهي تصبح شيئًا فشيئًا جزءًا أساسيًا من حياة الناس. فعدم اقتناء هاتف ذكي في هذا العصر مثلًا سيفصلك عن الآخرين ويعطل الكثير من شؤون حياتك ويفوّت عليك الكثير من الفرص، لأن متطلبات الحياة العملية باتت تعتمد كثيرًا على التواصل عبر تطبيقات معينة. وفي المقابل؛ ربما يملك البعض أسبابًا أكبر من مجرد العناد. عدم اقتناء هاتف ذكي مثلًا قد يمنحك بعض الفوائد التي لا يحوزها الآخرون، فأنت لست معرضًا للتشتيت بنفس القدر، وتملك تحكمًا أكبر بسريتك وخصوصيتك. كما أن الرغبة بالحفاظ على بعض العادات المتوارثة تعد عاملًا رئيسيًا مؤثرًا في مستوى الاستجابة. فالبيئات المحافظة تملك مقاومة أكبر ضد التغييرات الدخيلة عليها من البيئات المنفتحة وذات التنوع العرقي والديني. التقدم في السن يلعب دورًا كبيرًا في هذا أيضًا، فالشباب يملكون قابلية أكبر لمواكبة التطورات، ولخوض التجارب بهدف اكتساب معارف وطباع شخصية جديدة.

يتجاوز الأمر التطورات التقنية ليشمل كل التجارب والمتغيرات في العالم. قد يقرر أحدهم العودة إلى حياة القرى والريف وأساليب الحياة البسيطة بحثًا عن نقاء لا يجده في معيشة المدن الصاخبة وأساليب الحياة المتغيرة باستمرار، وعندها قد يبتكر لنفسه بدائل عن التقنيات الحديثة ويكتسب بذلك تجربة مختلفة. وهذا يدل على أن ما نتصوره جمودًا وثباتًا ورفضًا للتغيير قد لا يكون شيئًا رتيبًا بالضرورة، بل يمكن أن يؤدي إلى زعزعة من نوع آخر لا تقل ثورية. ففي عالم متغير باستمرار وبسرعة مجنونة ربما يكون الثبات حدثًا فريدًا من نوعه يخالف السائد ويكشف لنا جانباً لم ننتبه له أثناء اندفاعنا مع التيار. نشهد اليوم اهتمامًا كبيرًا بأساليب الصناعة التي تعود إلى الطبيعة مثلًا، ووعيًا متزايدًا بضرورة مقاومة الاستهلاكية الحديثة وإيجاد بدائل أقل استنزافًا للبيئة. وهذه دعاوى تلقى الكثير من المقاومة من قِبل الشركات التي تعتمد منتجاتها على التحديث المستمر كل عام، كما تلقى مقاومة من المستهلك الحديث الذي اعتاد على إيقاع الاستهلاك السريع ويظن أنه لا يملك الوقت والقابلية للتفكير في ضرر هذا الإيقاع على البيئة من حوله. لهذا؛ قد يجوز القول أنه من الصحي لنا وللعالم اليوم أن يكون هناك تطرف آخر على الطرف النقيض ضد تطرف التغيير المتسارع، ينبهنا إلى ما نفقده أثناء تبنّينا المستمر لكل جديد، ليضفي مزيدًا من التوازن على خياراتنا اليومية.