في عصر السرعة .. العودة للوراء لم تعد خيارًا

15 أكتوبر 2018

مستوحى من ورشة عمل: اضطراب التقنية.

كيف أصبح عصر السرعة علامة فارقة لا يُمكن تجاهلها؟

تتنوع أدوات التقنية الحديثة التي تلمس حياتنا اليوم بشكل مباشر. فهناك عدد مهول من التطبيقات الجديدة التي لا يتطلب استخدامك لها سوى تحميلها على هاتفك الذكي، فتصلك فورًا بالعالم من حولك. يؤثر هذا في عاداتنا اليومية البسيطة، وربما لا ننتبه إلى أنه يؤثر أيضًا في طريقة سير العالم كله، ويغير الكثير من أنظمته وقوانينه التي كنا نظنها أكثر رسوخًا من أن يزعزعها تطور تقني بين يوم وآخر. لم يعد من الممكن فصل الاستخدام الشخصي للتقنية عن تأثيرها الاجتماعي، إذ تشرك وسائل التواصل مستخدميها في كافة القضايا، وتتيح لهم إمكانية التفاعل والتأثير في كل ما يجري، فيصبح كل مستخدم عنصرًا فاعلًا في صنع الحدث. ويظهر هذا التأثير بشكل بارز أيضًا في الجانب الاقتصادي. فمن خلال إبداء الإعجاب ومشاركة التعليقات، والترويج للمنتجات أو انتقادها علانية على مواقع التواصل، يسهل أن يزعزع المستهلك العادي القيمة السوقية لأضخم الشركات. وحتى مع وجود نتائج سلبية لهذه التطورات، فليس من الوارد أن نشعر بالرغبة في الرجوع إلى أدوات الماضي الأقل تطورًا.

إن السرعة والدقة هما صفتان مهمتان يجب أن تكون كل خدمة قادرة على توفيرهما اليوم. خدمات التوصيل والنقل هي أمثلة بارزة على هذا، إذ لم يعد بإمكانك فقط أن تتلقاها بسرعة خيالية في أي وقت وأينما كنت، وإنما يمكنك أن تحدد أيضًا موقعك بدقة كبيرة عبر مشاركته، مما يوفر الكثير من الوقت والجهد. كل هذا يزيد من كفاءة الخدمة ومستوى الرضا، ليس للعميل فقط بل أيضًا للشركات التي تصبح أكثر تنظيمًا وأقل إهدارًا لمواردها. لكن الشركات لم تعد هي المنافس الوحيد في السوق. إذ فتحت التطورات التقنية الحديثة الأبواب للأفراد العاديين ليعرضوا خدماتهم ومنتجاتهم عبر تطبيقات التواصل دون الحاجة إلى وسيط. وهذا يشجع الصناعات المحلية ويمنح فرصة أكبر للمواهب الفردية لتوظف قدراتها بشكل مستقل ومجزٍ ماديًا ومعنويًا في العديد من المجالات. في المقابل، فإن العديد من الوظائف البشرية يجري العمل على إلغائها مقابل انتشار الأتمتة أو التشغيل الآلي، لكن هذا يخلق وظائف جديدة في مجالات التقنية لصيانة الآلات والتقنيات التي تضمن استمرارية العمل. والتعليم تطور أيضًا، إذ صارت عملية التعلم تعتمد على تواصل أكبر بين الطالب والأجهزة والبرامج الحاسوبية، مما يؤسس جيلًا جديدًا يفكر بطريقة تعتمد على التقنية ولا تنفصل عنها.

هذا الاعتماد على التقنية يعني أن العودة للوراء إلى ما قبل عصر السرعة لم تعد فقط عودة غير مرغوبة، بل أيضاً غير ممكنة. لأن هذه التغييرات تترك تأثيرًا جذريًا ومستدامًا في العالم، فليست مجرد فقاعة سيزول تأثيرها مع مرور الوقت، ولا عالمًا افتراضيًا منفصلًا عن العالم الواقعي، بل صارت جزءًا من تكوين الإنسان الحديث الذي لا يتخيل حياته من دونها. يبقى السؤال هو عن نوعية التأثير والتغيير الذي يتركه هذا التطور المتسارع. إن عصر السرعة هذا يقدم لنا أكثر من أي وقت مضى خيارات للتحكم في نوعية الحياة التي نعيشها وفقًا لحاجة كل واحد منا. ومع كونها تغييرات سريعة وعابرة، فإنها تعطي دلالات واضحة على ما يُضاف إلى وعينا الجمعي، أو حتى ما يُنتزع منه. فإذا كان استخدامنا للتقنية سيغير المستقبل، يجب أن نفكر بجدية في العالم الذي نريد أن نعيش فيه غدًا، ونختار اليوم أفضل الطرق للإعداد له والتأقلم معه.