صداقة البيئة.. صناعة المستقبل

9 أكتوبر 2018

مستوحى من: محاضرة" ناتساي تشيز ضمن برنامج "تنوين".

ما هي الصناعات النظيفة وما أهميتها لحفظ مستقبلنا على الأرض؟

للطبيعة ترتيب بارع، فهي تعتمد على توازن هرمي فائق الذكاء يتسع لكل الكائنات، ونظام يعالج ذاته ليضمن استمرارية الحياة في الكوكب. لكن تدخّل الإنسان في عمل الطبيعة المتناغم أفسد هذا التوازن، والأسوأ أنه فعل هذا مقابل أوهن الأعذار: فرَدَم الأنهار وجرف الغابات مقابل التوسع العمراني، وقطع الأشجار في سبيل المزيد من الصناعات، وهدد وجود الكائنات الأخرى بإفراطه في الاستهلاك. لقد أدى قیام الثورة الصناعیة وتطورها المتسارع إلى إحداث تأثيرات واضحة على البیئة بسبب الانبعاثات الضارة من المصانع، وملوثات الهواء في المدن، والمواد السامة الناتجة عن مواقع النفايات. نرى تبعات كل هذا في زيادة التلوث البيئي والاحتباس الحراري وتغير المناخ عاماً بعد عام بسرعة غير مسبوقة، مما يؤثر بشكل مباشر وبعيد المدى على قدرة الأرض على الاستشفاء. وحتى خطوط الإنتاج التي كانت تساهم سابقًا في تحسين البيئة، مثل الزراعة وتربية المواشي، باتت تنتج بطرق سيئة تضر البيئة أكثر مما تنفعها، فتُرش المنتجات الزراعية بالمبيدات الحشرية وتُحقن الحيوانات بالهرمونات وتتم تربيتها في أسوأ الظروف لتواكب فائض الإنتاج.



كرد فعل على هذا، أجريت الكثير من الدراسات والمشاريع التي تسعى للتوفيق بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، ومن هنا برزت أهمية ما يسمى بالصناعات النظيفة. يُطلق هذا المصطلح على الصناعات التي تراعي البيئة من خلال تقليل أضرار التصنيع مع تحقيق الفائدة الاقتصادية في آن واحد. وتهدف بالدرجة الأولى إلى ما يسمى بالتنمية المستدامة، وھي حق الجیل الحاضر في الاستفادة العادلة من ثروات الطبیعة دون المساس بحق الأجیال القادمة فيها، ودون استنزاف للموارد أو استخدام هذه الموارد سلبًا للمساهمة التراكمية في تدمير الأمن البيئي.

تتعدد أمثلة هذه الصناعات، من استبدال صناعة البلاستيك بمواد قابلة للتحلل بيولوجيًا بلا تأثير سمّي، إلى التخطيط الهندسي للمدن القائم على ضرورة وجود مساحات خضراء لتكثيف الغطاء النباتي، كما تشمل إنشاء مصانع لإعادة تدوير المواد والنفايات، واستبدال المنظفات الكيماوية بمنظفات طبيعية وصديقة للبيئة. كما شاع استخدام أشكال من الطاقة تندرج تحت مجال التكنولوجيا النظيفة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي، والذي يتفوق على الوقود الأحفوري من حيث نظافته البيئية. كما برز دور الكيمياء الخضراء التي تهدف إلى تقليل الانبعاثات الصادرة من عمليات التصنيع الكيميائي مثل الصناعات الدوائية، واستبدالها بصناعات تعتمد على مصادر متجددة كالمواد المستخلصة من نباتات غير مهددة بالانقراض.

ومع انتشار الوعي من منظمات البيئة والمؤسسات الكبرى إلى المستهلك العادي، أصبح الإنسان الحديث مطالبًا أيضًا بأن يكون مسؤولًا في استهلاكيته، إذ لم يعد لجهله أي عذر. فقد نشأت الكثير من المجموعات الناشطة في ما يخص موضوعات البيئة ورعايتها، تدعو لتعزيز خيارات فردية ويومية للحد من الاستنزاف غير العادل للطبيعة الأم، مثل التقليل من استخدام البلاستيك والحد من الاستهلاك غير الضروري للكهرباء ومصادر الطاقة. كما انتشرت مشاريع تجارية صغيرة وصديقة للبيئة تهدف لتشجيع الاستهلاك النظيف. ونتيجة لهذا الوعي المتزايد، زاد الضغط على الحكومات والشركات الدولية لفرض معايير بيئية على صناعاتها، وأصبح الموضوع قضية دولية مهمة، فعقدت المؤتمرات الدولية والإقليمية في سبيل إيجاد حلول عاجلة. الاستثمار في مجال التكنولوجيا النظيفة آخذ في ازدياد، ونشهد كل يوم المزيد من التعاون بين الشركات التي تحمل قيماً مشتركة بهذا الخصوص. كل هذا يؤكد أن الصناعات النظيفة هي المستقبل، وأن التغيير قادم لا محالة، يبقى السؤال إذا ما كان قادماً بسرعة كافية، إذ لا يزال أمامنا الكثير لنتحسن من أجل مستقبل الأجيال القادمة.