شراء التجربة.. أشياء لا تُقتَنى

9  أكتوبر 2018

مستوحى من: محاضرة "تشافي كورتاديلاس" ضمن برنامج "تنوين"

تحول الشركات من بيع السلعة إلى بيع التجربة. كان من السهل سابقًا أن يميز الشخص نفسه بقدرته على شراء سلع معينة، وهذا هو الأساس الدعائي الذي تصدّر به العديد من السلع صورتها: أنها ليست أشياء يمكن للجميع اقتناؤها. لكن العالم لم يعد ينبهر بهذه المادية. نعيش اليوم في عالم صغير، حيث كل فردٍ منفتح على الآخر، وبإمكانك عبر هاتفك الذكي أن تطّلع على حيوات الآخرين دون حواجز، وترى مقتنياتهم الثمينة التي يجعلونها في واجهة صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. كل هذا يفسد سمة الندرة التي تتحلى بها تلك السلع فيقلّ بريقها وتفقد قدرتها على الإبهار. كما أن التفاخر باقتناء المنتجات الثمينة أصبح لدى فئة كبيرة من الناس صفة مستهجنة تجلب الانتقاد أكثر من الثناء.

إن هذا يقود العالم إلى نوع جديد من المادية: وهي مادية التجربة الفريدة. فإذا كنت لا تجد إشباعًا في تمييز نفسك بمقتنياتك، بإمكانك الآن أن تميز نفسك بالاستثمار في تجربة مؤقتة، دون أن تضطر إلى التخطيط الطويل والمخاطرة وتغيير أسلوب حياتك. يكفي أن تجري عملية بحث بسيطة عن الشركات التي تقدم تجارب معينة مثل تسلق الجبال أو التخييم، وهم سيوفرون لك كامل الخدمات والمعدات والمواصلات والدليل الذي سيرافقك في الرحلة ويسهل عليك كل المهام، وكل ما عليك فعله هو الدفع، وقد تخصص العديد من شركات السياحة الجديدة في هذه السوق الآخذ في النمو. فحسب بحث أجرته مجموعة بوستون للاستشارات، قد بلغ إجمالي حجم الإنفاق العالمي على السلع الفاخرة عام ٢٠١٦ قيمة تجاوزت ٨٦٠ مليار يورو، ٥٤٢ مليار يورو منها أُنفقت على تجارب وأنشطة، ولا شك أن هذا الرقم في ازدياد.

جزء كبير من هذا الارتفاع في نسبة الإنفاق على التجربة يعود إلى شعور الرضا والسعادة التي تمنحها التجربة الشخصية مهما كانت باهظة، الأمر الذي لا توفره المقتنيات المرتبطة قيمتها دائمًا بثمنها، مما يدفع بالشركات السياحية إلى المزايدة على تلك المزايا النفسية من أجل الترويج لتجاربها. والمفارقة هي أن العديد من هذه التجارب المدفوعة الثمن تتحلى بمظهر روحاني، ربما يحوي في جزء منه نقدًا للمادية. فنسبة كبيرة من الرحلات المنظمة في أعالي الجبال أو الجزر النائية أو أعماق الغابات تتباهى بكونها تتطلب انقطاعًا عن وسائل الحياة الحديثة، رغم أنها توفر كافة سبل الراحة والرفاهية والأمان. هكذا تمنح زبائنها شعورًا بالاقتراب من الطبيعة والانغماس في الحياة البدائية دون أن تتعرضهم المصاعب والمخاطر المصاحبة لتلك الحياة.

لكن انخراط العديد من الناس في مثل هذه التجارب ينزع عنها أيضًا صفة الندرة، ومن هنا نشأ سوق جديد لشركات تبيع تجارب أكثر فرادة لأصحاب الثراء الفاحش. العديد من هذه الشركات لا تقدم خدماتها إلا عبر اشتراك عضوية سنوية، مقابل أن تصمم لكل عميل تجربة خاصة حسب طلبه لتشبع حاجاته النفسية والجسدية دون منافسة أو مشاركة تنقص منها. فحين تجد نفسك في تجربة مع مجموعة كبيرة من الناس فإنك لا تشعر بذات القدر من الاهتمام، وربما تجد نفسك مضطرًا لتقديم العديد من التنازلات مراعاةً للآخرين، أو تلتزم بجدول زمني لا يناسب رغباتك، الأمر الذي تتجاوزه الشركات الباهظة، والتي قد تخطط فترة طويلة لتحقق حلم العميل، فتصمم له في عيد ميلاده تجربة مشابهة لأحداث فيلمه المفضل مثلًا. الجانب الإيجابي أن التجارب الفريدة تصبح يومًا بعد يوم منتشرة ومألوفة أكثر وبالتالي في متناول المزيد من الناس، لكن لا أحد يعلم كيف يمكن لكل هذا الهوس بتمييز التجربة أن يتطور في المستقبل.