ترميم الماضي أم بناء المستقبل؟

17 أكتوبر 2018

مستوحى من: محاضرة "منيرة التميمي" ضمن برنامج "تنوين"

التراث المحلي ما بين مطرقة التجديد وسندان الأصالة

لطالما كان الناس يميلون للجديد، ويتطلعون بحماس للاحتمالات المستقبلية التي بدأت لتوها بالتحقق. وفي نفس الوقت، فإنه كلما زادت سرعة التطور يزداد معها حنين الناس إلى الماضي، رغم اندفاعهم في تبني ذات التطورات التي تهدده، وكأن حنينهم للماضي هو طريقتهم لتعويض شعورهم بالذنب تجاه زواله المتسارع. يظل حفظ التاريخ حاجة بشرية مشتركة بين كل الشعوب، ليس لمجرد التوثيق بل لأن المستقبل يبهت من دون مقارنته مع ما مضى، فلا بد إذًا أن نحسب حجم المسافة التي قطعناها للوصول إلى ما نحن عليه اليوم لنقدّر الرحلة كما يجب من خلال تذكّرنا للبدايات.
نشهد أمثلة ذلك في انتشار القرى الشعبية على شكل مطاعم أو مقاهٍ تتوزع وسط المعالم الحديثة لمدن المملكة، فتؤكد تعطّش الناس وفضولهم تجاه سبل عيش أجدادهم. لكن السؤال هو كيف يجب أن يُحفظ هذا التراث؟ نحن هنا أمام رأيين، الأول يميل إلى هدم القديم وإعادة بنائه في مبنى حديث ربما يحاكي الماضي شكليًا في بعض خصائصه الزخرفية لكنه يتبنى الخصائص الوظيفية للعصر الحالي. والرأي الثاني يميل إلى إبقاء المبنى القديم وصيانته ليظل كما هو مقابل التضحية ببعض ضروريات العصر الحديث. يعتقد أصحاب الرأي الأول أن التشبث بالقديم كما هو ربما يشكل عائقًا في سبيل التطور، فالمشكلة لا تكمن في المحافظة على التراث بل في عقليةٍ ترفض التخلي وتعجز عن تجاوز الأمجاد السابقة وبالتالي تضيّع على نفسها العديد من الفرص ويفوتها قطار التقدم الذي لا يملك الوقت للوقوف على الأطلال.
أما أصحاب الرأي الآخر فيرون أن في الأمر أكثر من مجرد حنين عاطفي. لا شك أن لتأثير مرور الزمن جمالياته الخاصة، فحين تنظر إلى منطقة جدة التاريخية على سبيل المثال، التي سجلتها منظمة اليونيسكو موقعًا من مواقع من التراث العالمي، فإنها لن تكون بذات الجمال لو تم هدمها وإعادة بنائها من جديد بمواد وتقنيات معاصرة، لأن هذا سيفقدها أهم عناصر جاذبيتها: وهو شعورنا بأننا نراها الآن كما كانت بالضبط قبل ٢٠٠ عام. وبصيانتها فقط وترميمها فإننا نحافظ على عنصر الأصالة الذي يمنح هذه المباني قيمتها، وربما يمكن أن نجدد فيها الدماء بتحويلها إلى متحف فني يستقبل الزوار. ولا شك أن حفظ التراث مهم أيضًا لصورتنا أمام الآخرين وليس لنظرتنا فقط، فهو يعمل على جذب فضول الثقافات الأخرى ليتعرفوا علينا بشكل أفضل. ولكي تكون المملكة وجهة سياحية حسب رؤية ٢٠٣٠ فلا بدّ أن ترعى هذا التراث الذي يشكل جزءًا كبيرًا من فرادتها في نظر الغريب.
هنا يبرز عمل "قسطرة قلب" للفنان السعودي عبدالله العثمان، بالتعاون مع "إثراء" في موسمها الإبداعي "تنوين"، كشاهد على هذا التباين في الآراء. حيث قام العثمان بتغليف بيت عتيق في مدينة الخبر بأكمله بالقصدير، ليلفت الانتباه إلى هذه الثروة المتمثلة في تراثنا المعماري، وضرورة حمايتها من مشاريع الهدم المتعجلة التي تنسف كل قديم دون استيعاب لجمالياته وأهميته التاريخية التي لا يمكن للمبنى الحديث أن يعوضها كاملة. لكن المثير للاهتمام في المقابل أن البعض رأى في هذه "القسطرة" إشارة ساخرة من الفنان ضد أولئك الذين يريدون أن يوقفوا عجلة التنمية، ليؤيد وجهة النظر المطالبة باستبدال القديم الذي يشوه مظهر المدينة الحديثة حسب رؤيتهم، وكأن شكل القصدير الناشز انعكاس لهذا التشويه أو رمز لمحاولة تغطية مظهر كئيب. سيبقى كلا الرأيين في تصادم مستمر، ووحده مرور الزمن سيحدد أيهما أكثر صوابًا لأن الزمن ليس مجرد شاهد على التاريخ بل هو أيضًا أفضل حَكَم.