بدر الحمود يقدم البطل الذي لا يموت 

23 أكتوبر 2018

بدر الحمود هو مخرجٌ سعودي، كاتبٌ سينمائي، والمدير التنفيذي لـ "بي فيلمز"، أنتج عدة أفلامٍ قصيرةٍ وإعلاناتٍ تلفزيونيةٍ مثل "مونوبولي"، "داكن" و"قلم المرايا"، وحصلت أفلامه على عدة جوائز من "مهرجان الخليج السينمائي"، "مهرجان أبوظبي السينمائي"، و"مهرجان الأفلام السعودية". ولقد شارك في برنامج تنوين بمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) بمحاضرةٍ عنوانها "بطلٌ لا يموت"، وذلك في يوم التاسع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) ٢٠١٨ مـ بمدينة الظهران، وتحدث في هذه المحاضرة عن الشخصيات في الأفلام من أبطالٍ خارقين وأشرارِ ظلاميين، وماهية الصفات التي تجعل هذه الشخصيات خالدةً تبقى في ذاكرتنا، والعناصر التي تبني موقف المشاهد من هذه الشخصيات وكيفية تأثيرها عليه، كما تحدث أيضاً عن ميزات بطله التي تنتج شخصيةً لا تُنسى ولا تموت.

في بداية المحاضرة تحدث الحمود عن قصةٍ قديمةٍ حدثت في روما، حيث استيقظ الناس في يومٍ من الأيام ليجدوا تمثال كبير آلهتهم "زيوس" محطماً، وبعد ذلك بأيامٍ تكرر الأمر فوجدوا بقية تماثيل آلهتهم مكسرةً إلى قطعٍ صغيرةٍ أيضاً، وبعد البحث عن هذا المُخرب بلا فائدة لعدة أيامٍ سلم الفاعل نفسه، فسألوه عما إن كان يعلم مصيره بعد ارتكابه لهذه الجريمة فأجابهم بـ "نعم"، ثم سألوه عن سبب ارتكابه لجريمةٍ عقوبتها الموت، فأجاب: "انني رجلٌ تافهٌ، نكرةٌ، لا ذكر لي بين الرجال، وكل ما أخشاه هو أن أموت ولَم أترك أي شيءٍ يُذكر. ولا يموت إلا أولئك الذين ينساهم الناس، وفي اعتقادي إن الموت ليس إلا ثمناً بخساً يُشترى به الخلود". فأشار المتحدث إلى أن هذه القصة تُمثل شهوة أي شخصٍ في خلود اسمه بين الناس وبقاء أثره على صفحات التاريخ، ويحاول البعض نيل الخلود عبر تحقيق بطولاتٍ خارقةٍ، والآخر قد يفعل أي شيءٍ مهما كان مُستهجناً ليُذكر مثل بطل قصة الرجل الذي حطم تمثال "زيوس"، ونحن نحب الحكايات الأسطورية وأفلام السينما لأنها تواسينا في حياتنا العادية وتداعب رغبتنا جميعاً في أن نكون أبطالاً.

ذكر الحمود بعد ذلك المواصفات التي تجعل ذكرى بعض أبطال السينما والتلفاز المميزين خالدةً في ذاكرتنا عبر الوقت، ومن أحد هذه المواصفات هي كون البطل قليل الحيلة ومولوداً من رحم العقبات، كطفلٍ فاز بسباقٍ مدرسي بحذائه الممزق لعدم استطاعة والده على شراء حذاءٍ جديدٍ، بمقابل طفلٍ آخر تمكن من شراء هذا الحذاء الجديد بسهولةٍ، حيث تميل عقولنا لنسي الطفل الميسور بسهولةٍ، أما الأول فهو قابلٌ للخلود في ذاكرتنا لأنه حاز على مشاعرنا واهتمامنا وكسب تعاطفنا معه. وصفةٌ أخرى هي ولادة هذا البطل من قاع الخيبات وقمة الضعف، مثل شخصية "والتر وايت" في المسلسل الشهير "بريكنق باد"، إذ رسخ في ذكريات مشاهديه كمعلم كيمياءٍ عبقري مُحبطٍ أصيب بمرض السرطان، فقرر أن يتاجر بالممنوعات ليترك لعائلته مبلغاً من المال وشيئاً يتذكرونه به بعد رحيله، فبمحاربته لظروفه الصعبة يمكننا أن نتعاطف معه إنسانياً كمشاهدين، بعكس شخصية "سوپرمان" لامتلاكه قوى خارقةً تساعده على حل مشاكله بسهولةٍ ولا يمر بصعابٍ يمكن أن نتصل بها.

تحدث الحمود بعد ذلك عن صفةٍ مهمةٍ أخرى للبطل الذي لا يموت، وهي كون هذا البطل نجماً في "فلسفة اليوم السيء"، كاليوم الذي جعل "باتمان" بطلاً في طفولته بعدما شاهد لصاً يقتل والديه بدمٍ باردٍ، وهو ما حفزه لأن يصبح بطلاً يُحارب الجريمة، أو كاليوم الذي مرت به الشخصية الشريرة "الجوكر" أيضاً بعدما عاد من عمله ككوميديان يسخر الناس منه إلى منزله، ليجد أن زوجته الحامل فارقت الحياة في حادثٍ منزلي بسيطٍ، والذي كان يُمكن إنقاذها منه لو لم يكن مُنشغلاً، فولد من رحم هذه المأساة واليوم السيء شخصيته الشهيرة. ولشخصية البطل الخالدة صفةٌ أخرى، فهو يملك نوايا قويةً بلا أهدافٍ واضحةٍ، مثل شخصية "جون سنو" من المسلسل الشهير "قيم أوڤ ثرونز"، فهو لم يرد أن يكون ملكاً وكان يحارب وصمة عارٍ لكونه طفلاً لَقيطاً فقط، ولكنه أصبح ملكاً لنواياه الحسنة ولرغبته في مساعدة عائلته والمقربين منه، فحول آلامه الى قصةٍ أسطوريةٍ ووجد هدفه.

ذكر الحمود أيضاً أن بطله أو شريره المفضل هو شخصيةٌ غاضبةٌ وغامضةٌ كذلك، حيث يكتنف الفضول المشاهد لكشف أسرار هذه الشخصية والتعرف عليها، ثم استخدم شخصية "الجوكر" كمثالٍ هنا مرةً أخرى لكونه شريره المحبوب، إذ قال في أحد أفلامه: "أن تكون محبوباً ومخيفاً بالوقت نفسه، تلك هي العظمة"، فما جعل هذه الشخصية ناجحةً هو عدم إفشاء أسرارها في البداية، وتحيير المشاهد بغايات هذه الشخصية وأهدافها النهائية. وكآخر صفةٍ للبطل الذي يموت، قال الحمود أن أحد المواصفات الأساسية هي أن تنمو الشخصية وتتغير، لتكون بذلك شخصيةً ذات أبعادٍ ونسخٍ متعددةٍ قد يكون غلافها الشر وباطنها الخير، مثل شخصية "جيمي لانستر" من مسلسل "قيم أوڤ ثرونز"، ففي البداية كان بغيضاً وشريراً وبعد ذلك تغيرت الشخصية وأحبها وتعلق بها المشاهد.

فِي ختام كلمته، أشار الحمود إلى أن أحد أسباب تعلقنا بشخصية البطل المفضل أو الشرير المحبوب هو أننا نؤمن باحتمالية وجودها، إذ نرى أنفسنا من خلالها، ونفهم أعماقها ونزعاتها ووجهة نظرها ونتعاطف معها، خاصةً عندما تلفت هذه الشخصية نظرنا للقبح أو العدالة المفقودة من هذا العالم بأسلوبٍ يُشككنا بجدوى التمسك بالقيم الأخلاقية، فإن واحدةً من أسمى غايات الفن بنظر الحمود هي أنه يهذب نزعاتنا الوحشية.