جماليات الدهشة .. السينما نموذجًا 

17 أكتوبر 2018

مستوحى من: فكرة الزعزعة وعلاقتها بالجماليات ضمن برنام "تنوين"

لماذا يرتبط الجمال في أذهاننا بفكرة الزعزعة؟

الجمال هو العثور على تناغم مدهش في الأشياء. لا يكفي أن يكون الجميل متناغمًا لكي يكون جميلًا، بل يجب أن يكون مدهشًا أيضًا، أن نعيد النظر إليه كل مرة بعين جديدة. ومن أجل أن ننتج هذه الدهشة، لا بد أن نزعزع النظام المتناغم من حولنا، لنعثر فيه على تناغم أحدث لم نتوقعه من قبل. ما الذي يجعل صورة فوتوغرافية ثابتة -مثلًا- قادرة على إعادة إنتاج الجمال في كل مرة نعيد التحديق فيها؟ قبل أكثر من قرن ربما طرح أحدهم هذا السؤال على نفسه، فاكتشف جماليات الصورة المتحركة، فكان وضع الصورة في سياق متحرك متغير طريقةً مبتكرة في الإحاطة بجمالياتها وبعث المزيد من الحيوية في حكايتها. ونتيجةً لهذه الزعزعة ولدت السينما، وسطع نجم جديد في سماء الفنون السبعة.

أول فيلم سينمائي عُرض على الجمهور داخل قاعة لم يكن يتجاوز الدقيقة. مجرد قطار يقترب من الكاميرا في لقطة واحدة، لكنها لم تكد تكتمل حتى قفز المتفرجون من مقاعدهم واندفعوا خارجين من القاعة كأن القطار المقبل سيصطدم بهم. في البدء تكون الزعزعة، وبعدها يأتي الانبهار. استوعب الناس الحيلة البصرية، فأقبلوا على العروض. الكل يبحث عن تجربته الخاصة، عن زعزعة مشابهة تجعله يشارك الآخرين في الدهشة، وهكذا ازدهرت السينما الصامتة. ثم جاء الصوت. قاطع الكثيرون الفيلم الناطق الأول قبل أن يروه: كيف يمكن أن تقحم الصوت في فنّ أُسس على جماليات الصورة؟ ألن يخنق هذا فسحة التأمل ويغتال حرية التأويل؟ آخرون حضروا العرض من باب الفضول. ها هو الرجل على الشاشة يقف أمامهم صورة ناطقة كما لو كان واحدًا منهم، يغنّي فتحركهم كل أغنية كما لو كانوا في حفلة حية. وخلال ٣ أعوام لم يعد في دور العرض الكبرى فيلم صامت واحد. الكل يريد الصوت ويعتبر التجربة ناقصة من دونه.

بعد الانبهار تتشكّل الألفة شيئًا فشيئًا، وأحيانًا من دون أن نلحظ. وللألفة جمالياتها أيضًا وقدرتها على تعزيز شعورنا بالتناغم، لكنها سرعان ما تحتاج إلى الزعزعة من جديد لتضفي على الأشياء عنصر الدهشة. وهكذا حين دخلت الألوان في السينما، تجددت الاعتراضات والأحكام المسبقة: كيف تلغي جماليات الأبيض والأسود وتعرض ألوانًا واقعية؟ ألن يحدّ هذا من الخيال وينزع من سحر الشاشة الفضية؟ مع هذا، أقبل الجمهور على القاعات بدهشة ملونة وخيال أكبر من ذي قبل. فكل ثورة جمالية تثير الاستنكار ثم تبني معاييرَ جديدةً للجميل. وها نحن اليوم في عصر السينما ثلاثية الأبعاد، والمستقبل القريب سيكون لسينما الواقع الافتراضي. والحكاية تتكرر مع كل تغيير جديد: الزعزعة ثم الانبهار ثم الألفة، ثم الحاجة إلى الزعزعة من جديد.

ويأتي السؤال هنا: ما الذي يدفعنا إلى هذا التوق المستمر للزعزعة؟ إلى التجريب وإعادة خلق الجمال بأنماط حديثة؟ إنه الفضول ممزوجًا بالرغبة في الانبهار، بالرغبة في أن تغيرنا الأشياء من فرط جمالها. المعايير ستتغير والأحكام المسبقة سيمحوها مرور الزمن، وما كان مستهجنًا بالأمس قد يكون تحفة الغد. يمكن للجمال أن يمر على أعين كثيرة من دون أن يُلحظ، لكن عينًا واحدة تأملته بشكل صحيح واكتشفت فيه مواطن الإبداع يمكن أن تنقذه وتبرزه للملأ، ليتساءل بعدها الجميع كيف لم يروا فيه من قبل ما يرونه الآن؟ نتساءل من أين ينبع هذا الجمال وعادةً لا نصل إلى إجابة. لهذا لا يمكن للجمال أن يكون ثابتًا ولا مرتبطًا بقوانين محددة. وحدها الأشياء التي تزعزعنا بقوة غامضة متجددة يمكن أن تبقى جميلة.