في يومه العالمي لطالما تسائلنا كيف كانت بداية الشّعر؟ ويراودنا هذا السؤال حينما نطرب لبيتٍ شّعري سمعناه وتغنينا به، إلا أن البداية اختلفت بحسب اختلاف أنواعه، فبحسب الرواة كانت بداية الشّعر حين حاول العرب الأوائل تقليد وقع خفاف الإبل في الصحراء وتدرجوا بذلك حتى أصبحت له أوزانًا موسيقية ليكون حداءً للإبل حيث تطرب عند سماعه. فيما يقول ابن رشيق من جهةٍ أخرى " إن الكلام كان كله منثورًا فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها وأطيب أعرافها وذكر أيامها الصالحة وأوطانها النازحة وفرسانها الأنجاد وسمائحها الأجواد لتهز أنفسها إلى الكرم وتدل أبنائها على حسن الشيِّم فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعرًا لأنهم شعروا به".

وقد نعتقد أن الشّعر فنٌ حديث إلا إنه في عهد الإغريق كان يُعد من الفنون الكبيرة حيث الشّعر الملحمي والشّعر التمثيلي وأخيرًا الغنائي بينما العرب القدماء لم يعرفوا إلا الغنائي منه كونه شّعرًا مرويًا على الألسن ويعتمد على الحفظ لا على الكتابة .

وكان الشّعر العمودي هو المهيمن لدى العرب واشتُهر به كلٌ من المهلهل بن ربيعة وامرؤ القيس في الجاهلية حتى استمر إلى العصر الأموي، إلا أن لبنات التغيير بدأت في الظهور بالدولة العباسية حيث برزت أنواعٍ جديدة من الشعر لما أولتهُ الدولة من اهتمامٍ به في تلك الحقبة فظهر شعر الحكمة والزهد والتصوف وكان من أبرز شعراء هذه الحقبة كلٌ من أبوالطيب المتنبي الذي قال "لهَوَى النّفُوسِ سَرِيرَةٌ لا تُعْلَمُ.. عَرَضاً نَظَرْتُ وَخِلْتُ أني أسْلَمُ". إضافةً إلى أبو فراس الحمداني الذي قال" وليت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمينَ خرابُ".

ويكمل الشّعرُ جماله حين تغنت به الأندلس كموشحات ومعنى الموشح التزيين أو الجمال وأشهر شعراء هذا النوع ابن عربي ولسان الدين ابن الخطيب حيث قال " جادك الغيـث إذا الغيـث همـى.. يـا زمـان الوصـل بالأنـدلـس".

وبالرغم من جمالِ الشّعر إلا أن رحلة ازدهاره لم تكن هينة فقد مر الشّعر بعقبات وفترات كانت من أسوء الفترات له، حيث لم يعد الشّعر ذا قيمٍ فنية وإبداعية، بل كان الإبداع والفن من نصيب الزخرفة والخط العربي الذين ازدهرا بالدولة المملوكية.

إلا أن الشّعر صمد وتغنى به الكثير حتى يومنا هذا، وقد نتساءل هنا عن أسباب بقاءه حتى اليوم، فيقول سيسيل بورا في مقال (الشّعر والتقاليد) " إن الشعر أكثر من أن يكون مجرد مصدر للابتهاج والمسرة. إنه عنصر ضروري في الحضارة، وإنه يفعل الكثير في الحفاظ عليها ومدها بالحيوية والنشاط والبهجة. إنه لقوة حية خلاّقة توّسع من أفق استشرافنا وتنشط من حساسيتنا. إنه أفضل مفتاح لفهم أمة ما، يكمن في شعرها حيث يعكس الشّعر ما ادخرته التجربة، ويتوسل في وقاية قيمة لها."

وقد أخرج الشعراء إبداعهم من عباءة الكتب والأمسيات الشعرية إلى مكانٍ أوسع وأكثر رحابةٍ لاستيعاب إبداعهم إلا أنهم لم يعودوا شعراء فقط ، فعالميًا تغنت خشبة المسارح بمسرحيات الشاعر ويليام شكسبير البالغ عددها 36 مسرحية، فمن منا لا يعرف اسم روميو وجولييت على سبيل المثال، حيث بات زوّار إيطاليا يذهبون لرؤية شُرفة جولييت التي أصبحت مزارًا للسيّاح، وعربيًا لا يمكن لذاكرتنا نسيان أوبريتات الشاعر فائق عبدالجليل رحمه الله وأشهرها "بساط الفقر" الذي جسّد حياة الكويت بطبيعتها البسيطة في عصر ما قبل النفط، حيث البساط الذي سافر إلى العراق ومصر وحتى مضارب بني عبس وكأنه بساط ريح ألف ليلة وليلة.

وإلى يومنا هذا يعد الشّعر الغنائي هو الأكثر رواجًا فقد احتفى الشّعر بروّاده فمن منا ينسى الحفل التكريمي "نصف قرن والبدر مكتمل" الذي احتفى بالأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن ونتاجه الأدبي الغزير ومن منا لا يعرف " أبعتذر عن كل شيء إلا الهوى ما للهوى عندي عذر"؟.

وأخيرًا عرّفت منظمة اليونيسكو الشّعر بأنه أحد أشكال التعبير وأحد مظاهر الهوية اللغوية ويأتي هذا الاحتفاء العالمي به بهدف دعم التنوع اللغوي، ومنح اللغات المهددة بالاندثار فرصًا أكثر لاستخدامها في التعبير، كما أنه فرصة لتكريم الشعراء ولإحياء التقليد الشفهي للأمسيات الشعرية.