التوحّد .. وجهٌ آخرُ للعبقريَّة

في عام 2009م، وقفت امرأة في السابعة والأربعين من عمرها أمام الجمهور ولجنة التحكيم، على مسرح أحد البرامج التلفزيونيّة البريطانيّة التي تُعنى بالمواهب، لتقدّم لهم تجربة أدائها في الغناء، تعالت الضحكات الساخرة منها عندما تحدثت عن حلمها بأن تصبح مثل الفنانة البريطانيّة الأسطوريّة آلين بايج، واستخفّ الجميع بها وبأحلامِها. بعد تلك اللحظة بخمس دقائق تحولت هذه المرأة من محل سخرية الناس إلى نجمة بريطانيّة عالميّة، وذلك بعدما أدت مقطوعة غنائيّة في غاية الإتقان والجمال، واستعرضت موهبة استثنائيّة ومدهشة في الغناء، نتحدث هنا عن سوزان بويل، لا تتوقف الدهشة هنا، لأن سوزان بويل أعلنت فيما بعد أنّها مصابة بالتوحّد، وهو ما أعاد نقاشًا قديمًا جديدًا حول التوحّد والمتوحِّدين، وهل هم أناس يعانون من اضطراب ما؟ أم يتمتعون بمواهب فريدة؟ أم أنهم مختلفون فحسب في تعاطيهم مع الحياة والناس؟

وإن كانت سوزان حالة استثنائيّة في مجال الفنّ، إلا أنه يمكن القول إنها ليست استثناءً في عالم التوحّد، حيث توصّل الخبراء إلى أنّ الأشخاص المصابين بالتوحّد يتمتّعون بقدرة كبيرة على التفكير بشكل إبداعيٍّ خارج عن المألوف، كما أكدت الكثير من الدراسات أنّ كلّ مصاب بالتوحّد لديه قدرات خاصّة وفريدة من نوعها، وأنّ على المجتمع تعرّف هذه القدرات الخاصّة، وفتح المجال أمامها لتطويرها وإبرازها وتوظيفها في المكان المناسب. ومما لاحظه بعض أخصائي تعديل السلوك أن تلك المهارات تظهر لدى الأشخاص المصابين بالتوحّد في سنٍّ مبكّرة، مما جعلهم يعتقدون أن هناك نمطًا تنظيميًّا آليًّا غير مألوف في عمليات المخ لديهم.

ويُعرَّف التوحد على أنه اضطراب نفسيّ، يؤثر على قدرة الاتصال مع الآخرين وتطوير علاقة متبادلة معهم، إلا أنه في المقابل ينعكس على قدرات ذاتيّة أخرى فتتطور بشكل كبير، فعلى سبيل المثال يتميز الأشخاص المصابون بالتوحّد بقدرتهم الخارقة في الحفظ، والتي تفوق الأشخاص الطبيعيين، إذ يمتلكون ذاكرة قوية تساعدهم على تذكر كلّ ما رأوه أو سمعوه من أول مرة. كما يبرع المتوحّد في الحساب والعمليات الرياضيّة، وفي الفنون والآداب والفلك وغير ذلك، نتذكر هنا دانيال تامت، المتوحّد الذي يستطيع حل المسائل الحسابية أسرع بكثير من الآلات الحاسبة، كما يستطيع أن يتذكر الآلاف من أرقام الهواتف، وإخبارك بيوم الأسبوع الذي ولدت فيه بمجرد أن تخبره بتاريخ ميلادك، أما ستيفن ويلتشير فقد كان فنانًا قادرًا على رسم مدينة كاملة وبصورة مفصلة بعد رؤيتها لعشرين دقيقة فقط.

تتعدد الأمثلة والشواهد على القدرات الخارقة لأصحاب التوحّد، وهو ما يدعو لمراجعة السلوك الاجتماعيّ نحوهم، إذ من الضروريّ جدًّا تقديم الرعاية الخاصّة والمناسبة لهم، والاختلاط بهم ودمجهم في الأنشطة المختلفة، وتوفير مراكز وأندية تدعم مهاراتهم وهواياتهم، وفتح المجال لتوظيفهم، والقيام ببرامج ودورات تساعد على إظهار جوانب الإبداع لديهم وتنميتها، ومعرفة جوانب الضعف لديهم ومحاولة العمل على تحسينها وتقويتها، ولا تقتصر هذه التوعية - بمرض التوحّد - على الشخص المصاب بالتوحّد أو عائلته أو من يقوم برعايته فقط، بل تمتد إلى جميع أفراد المجتمع وبمختلف الأعمار. لأنه لا بد من الإيمان بأن المتوحّد ببساطة هو شخص له طريقته الخاصة في التعاطي والتواصل فحسب.