الفنُّ والمرض، ثنائيَّةُ المأساة ومداواتِها

ينظر معظم الناس إلى الفنِّ التشكيليّ بوصفه فنًّا نُخبويًّا، تحوّل مع تياراته الحديثة والمعاصرة إلى رموزٍ وطلاسمَ من عالم آخر. إلا أنّ لهذا الفنّ تجلّيّاتٍ تغوص في أعمق أغوار النفس البشريّة، وتستخرج مكنوناتها، وتلعب على أوتارها المتقلّبة. ولو خُيرّت هذه النفس البشريّة بين أكثر حالاتها عمقًا وشفافيّة وتقلُّبًا، فلا شكّ أنّ الكلمة الفصل ستكون للمرض، الذي كان دائمًا منبع الإبداع، ومُلهم المبدعين. ولا شكّ أيضًا أن الفنّ والإبداع هما الأجدر بالنفاذ إلى جوهر هذا المرض، واستخراج ما في مأساته من درر ولواعج.

إنّ العلاقة بين الفنّ التشكيليّ والمرض هي علاقة ترابط منذ البداية، إذ لا يكون الفنّ فنًّا إذا لم يكن مرآةً للواقع بكل مآسيه، ولقد اضطلع بهذا الدور باقتدار عبر مختلف محطات البشرية مع المرض، حتى المحطات الفرديّة منها، تلك التي وجد الفنان فيها نفسه في منطقة التقاطع بين الشهود والضحايا. كان الفنّ التشكيليّ حاضرًا في كل مرّة، على اختلاف تياراته وروّاده، ليخطّ بجموح ألوانه سطورًا من حكاية المأساة الإنسانيّة مع الأمراض، من الواقعيّة القاتمة في تصوير مشاعر الألم والشرور، والرغبة في الخلاص من الأمراض والأوبئة - كما نراها في لوحات القرون الوسطى وجداريّاتها - إلى التعبيريّة التي جسّدت عمق المأساة بتناقض صادم بين قتامة الواقع، وبهرج الشكل، ودهشة الأسلوب. المرض نفسه تنوعت أشكاله عبر هذه المحطات، ولكن بقي مضمونه وفيًّا لقيم المأساة، وإن جنح من مأساة الجسد إلى مأساة الروح، ومن لوحات الطاعون وأوبئة العصور المظلمة، إلى لوحات الضياع والقلق الفرديّ، والاجتماعيّ، التي طبعت التيارات المعاصرة، ولعل من أبرزها لوحات مثل "الصرخة" و"قلق" للفنان التشكيلي النرويجي "إدفارد مونك".

يمكننا اعتبار "مونك" حالة فريدة في الفنّ التشكيليّ، فهو من القلائل الذين وقفوا باقتدار في تلك المنطقة المشتركة، بين من ينقل المأساة بعين الشاهد، وبين من يخوض أدق تفاصيلها بمعاناة الضحيّة. فإن كان ثمة رفيق مخلص لمونك على امتداد حياته الحافلة، فلن يكون سوى المرض، الذي حرمه في سن مبكرة من والدته، ثم من أخته، ورافقه بعد ذلك مسبغًا عليه سوداويّة وقلقًا ظهرا في لوحاته التي ارتبطت بالمرض والموت ارتباطًا لا تنفصم عراه، كلوحة "الطفل المريض" ولوحة "اليوم التالي"، حيث الموت يخيّم على أجواء المرض، وحيث ريشة الرسام تجسّد أدق تفاصيل معاناة اللحظة والخوف مما بعدها.

"فان جوخ" أيضًا وقف في تلك المنطقة الضيقة في فكرتها، اللامتناهيّة في تجلِّيّاتها، ومن تجربته المأساويّة مع المرض تبدو لنا تساؤلات تطرح نفسها: "هل الفنّ في حقيقة الأمر علاج للفنان المريض أم زيادة في معاناته"؟ إن الفترة الأخيرة من حياة "فان جوخ"، تلك التي قضاها في مصحة استشفائيّة، هي الفترة الأبرز في مسيرته الفنّيّة والأغزرُ إنتاجًا، ولكنّها أيضا الفترة التي فاقمت معاناته وانتهت بموته الأكيد. لقد لعب الفنّ مع المرض هنا لعبة غامضة، قد تحتاج إلى "فان جوخ" جديد ليحل شفرتها المعقدة.

لقد بقي هذا السؤال، عن العلاقة التبادليّة بين المرض والفنّ قائمًا، وكأنّنا بالفنّ التشكيليّ ينتظر الفرصة ليقلِب المعادلة، وليكون صاحب التأثير على المرض، بعد أن كان طوال الوقت نتيجةً لتقلُّباته، حتى بدايات القرن العشرين، التي شهدت ظهور فلسفة جديدة، تربط بين أمراض العقل وبين الفنّ التشكيليّ، وتجعل الفنّ قادرًا على تشخيص المرض، بل ومعالجته. يمكننا القول إنّ فرويد قد وضع أسس هذه الفلسفة عبر دراساته حول الرمزيّة، ممهدًا الأرضيّة لباحثين مثل "والتر مورجنتالر" في كتابه "المريض النفسي كفنان"، و"هانز برينزورن" في كتابه "تعابير الجنون"، حيث تم البحث في العلاقة بين الفنّ التشكيليّ والعلاج النفسيّ، واستكشاف الحدود بين المرض والتعبير الإبداعيّ.

لا نأتي بجديدٍ إذا قلنا إنّ المأساة والفنون صنوان لا يفترقان، وأن الفنّ لا يكون فنّا إذا لم يتحمل مسؤوليّة تشريح الواقع بآلامه ومعاناته. ولكن قد لا يكون تسليط الضوء على خصوصيّة ثنائية المرض والفنّ التشكيليّ بدَهِيًّا. وقد لا يكون التنبؤ بمستقبل هذه الثنائيّة سهلًا كذلك. فالتّحوّلات العميقة التي لا تنفكّ تطرأ على التيارات الفنية من ناحية، وعلى أشكال المرض وأسبابه وعمق معاناته من ناحية أخرى، تحكم على كل توقعاتنا بالفشل المسبق، وسيبقى الفنّ، بثورته المستمرة على الواقع وتمرده على الضوابط والقيود، يعانق دواخلنا واعتلالاتنا ويثير فينا شتى التساؤلات والدهشات إلى أجل غير مسمى.