ضيف العدد: الروائي السعودي عزيز محمد

"مِن أُسُسِ المنطقِ إلى ماهيّة العالم"

الأرقام لم تكُن يومًا موضع شغف بالنسبة لي، فالرياضيات كانت أصعب المواد، ولطالما اعتبرت عملي في المحاسبة مهمة ثقيلة. كُنتُ - وسط زحام الفواتير، والتقارير الماليّة، والعمليّات الحسابيّة - أتشبث بكل كلمة رنانة تبزغ فجأة كما لو كانت جوهرة نادرة: تراكيب الجمل الجافة هناك اكتنزتْ بدلالاتٍ ثريّة، والأسماء اكتسبتْ إيقاعًا موسيقيًّا لم تكن لتملكه في سياق آخر. وبعد ساعات طويلة من الانكباب على ذلك العمل السمج، أكون على درجة قصوى من التعطّش للقراءة والكتابة، ممتنًّا لأن هذه الأرقام التي شغلتني طيلة النهار لم تستهلك الجزء المسؤول عن اللغة في الدماغ، بل على العكس، تركتني في حال متشوقة للانقطاع إلى ما أفضّل ممارسته.

استعدتُ هذا الشعور مؤخّرًا، أثناء قراءتي روايةً للكاتبة اليابانيّة يوكو أوغاوا، عن مدبرة منزل يستأجرها أستاذ رياضيات مهووس بالعمل. لم تكن المدبرة في البداية تفهم شيئًا من المعادلات والمصطلحات الرياضيّة التي تتردد على مسامعها طيلة اليوم، إلا أن الوقع الصوتيّ المجرّد للأرقام كان يبعث فيها نوعًا من السلوان، حالة من التخدير تشبه الاستماع للغة لا تتحدثها وهي تتردد في محطة. حين تفهم المدبرة لاحقًا العلاقة المنطقيّة التي تربط بين هذه الأرقام، فإن علاقتها اللسانيّة مع الأستاذ - شحيح الكلام سابقًا - تتطور أيضًا. وحين يخبرها عن ”العددين الأوليين التوأم” و“الأعداد المتحابّة” فإنها تجد لذة في وقع هذه التراكيب اللغوية، وتتساءل لمَ تبدو تلك الكلمات - العاديّة عند تفكيكها - جذّابة جدًّا بالتباين مع مضامينها العدديّة، “كما لو أنها خرجتْ من قصيدة.”

تمثل رواية “مدبرة المنزل والأستاذ” حالة استثنائيّة من إمكانيّة الجمع بين الأدب والرياضيات. ففي حين تمدح ظاهريًّا مثاليّة الأرقام والمعادلات الرياضيّة، فإنّها في المستوى الأعمق تتغنى بقدرة الأدب على اختراق أكثر المناطق وعورة، وإيجاد الشعريّة فيها.

تملك المعادلة الرياضية - بطبيعتها - بنيةً تركيبيّةً منطقيّة، أي أنها تتكون من علاقة تربط بين عنصرين من مجموعة، بعنصر ثالث، مثلاً: ١+٢=٣. أما بنية اللغة فهي تجميعيّة، فقد تنشأ الجملة من عدد لا متناهٍ من الكلمات، تجمع بينها علاقات متنوعة حد التضاد. ولعل هذا اللاتناهي هو ما نتوق إليه عند انْصرافنا إلى اللغة، خصوصًا بعد أن ننشغل زمنًا بالتراكيب الرياضيّة المقيدة بقوانين المنطق.

لقد فطن الفيلسوف النمساويّ، لودفيك فيتغنشتاين، مبكرًا لهذه الطاقة التي تبعثها الرياضيات في اللغة بتباينهما معًا، ولعلها كانت المحرّك الخفي في تحوّله من الهندسة إلى الفلسفة. فقد شكّلت دراسته لكتابيْ ”أسس علم الحساب” لغتلوب فريجه، و”أصول الرياضيات” لبرتراند راسل نقطة الانطلاق لألعابه اللغويّة. ثم بلغ انشغاله باللغة ذروته في بحوثاته الفلسفيّة حين اتخذ منها وسيلة لفهم العالم. أما المنطق الرياضيّ الذي اتّبعه أساتذته في مقاربتهم للفلسفة فقد رأى هو أنه مجرد “تحصيل حاصل” مقارنة بقدرة فلسفة اللغة على إجلاء غشاواتنا الذهنيّة، وهو ما عبر عنه حين قال: “إن عملي تطوَّر من أسس المنطق إلى ماهيّة العالم.”

وعلى الرغم من أهميّة المنطق الرياضيّ في تقدّم العلوم، وتوفير منهجيّة دقيقة للبرهنة على نظرياتها، إلا أن اللغة تبقى أكثر توافقًا مع أفكار العقل البشريّ، كونها نشأت أصلاً بوصفها وسيلة تفكير، كما يقول بعض علماء اللسانيّات. وحتى محاولات هؤلاء اللسانيين أنفسهم، لإخضاعها للمنطق الرياضيّ، كما في ميادين: الترجمة الآليّة، والتصحيح النَّحْويّ، والذكاء الاصطناعيّ، غالبًا ما باءت بالفشل، ولم تحاكِ نتائجُها الهشّة استخدامنا المعقّد للّغة. يبدو إذًا أن جمال اللغة يكمن تحديدً في هذا النُّقصان، في استعصائها على مثاليّة المنطق، في تناقضاتها ولاتناهيها، وتركيبتها المضادة للقوانين، أو ببساطة: في كونها لا تقبل الترييض. ألا يكمن سحر كلمة كهذه، “ترييض”، تحديدًا في جاذبية اشتقاقها من غِلظة الرياضيات؟

——

عزيز محمد – روائي سعودي صدرت له رواية: (الحالة الحرجة للمدعو ك)

لمعرفة المزيد عن الرواية:اضغط هنا

البريد الإلكتروني: azizmb987@gmail.com

تويتر:@azizm987