لزمن طويل جدًا كانت خشبة المسرح تختزل أصالة الحكايات وعبق التاريخ، فتبوح بكل ما في المسرح من إرث فني وثقافي جاد. هذا الإرث - ككل الأشياء- قد صار يواكب قوانين تطور الحياة، وأخذت التقنيات الحديثة تصعد على خشبة المسرح وتشكل لنا شيئًا فشيئًا واقعًا فنيًا جديدًا هو مزيج من روح الفنون بما تحويها من أصالة، والمؤثرات الحديثة بما فيها من تقنيات وإمكانيات.

يمكن اعتبار أن أواخرَ القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين هو عصرُ التكنولوجيا وثورة التقنيات الحديثة، التي ما فتئت تدخل في كل مجالات الحياة من أعمال وصحة وتعليم وترفيه. إلا أن الفنون بقيت بمأمن من كل هذا داخل هالة العراقة المحيطة بها والتي اعتُبر المساس بها ضربًا من المحرّمات. لقد مثّل التجديد في الفنون ضمن قواعد العصر الحالي التحدي الأكبر الذي يواجهه رواد التجديد، بل يمكن القول إن مكمن التحدي كان في الوصول إلى التوافق المناسب بين الفنون والتقنيات الحديثة، هذان الخطان المتوازيان اللذان لا يلتقيان. وما عدا هذا فالسياق الطبيعي للأمور كان يسهل هذا الاندماج بل ويفرضه، سواء من ناحية ضرورة مواكبة الأنماط الثقافية والذهنية الجديدة لجماهير هذا العصر، أو من ناحية التطور التكنولوجي الذي بدأ دخوله عالم الترفيه والبث التلفزي والسينما حتميًا، أو حتى من ناحية النزعة التجديدية الطبيعية في الإنسان، دون أن ننسى حالة الركود التي وصل إليها فن المسرح وانتهت إلى محاولات تجديدية في المضمون أدت إلى ظهور أنماط جديدة كالمسرح العبثي في القرن الماضي.

لقد كان للتطور التكنولوجي ووصول أجهزة الحاسوب والبرمجيات والوسائط إلى متناول الجميع أثر كبير على عبور هذه الفجوة والوصول إلى التناغم المنشود بين الفنون والتكنولوجيا، فتقنيات المؤثرات الضوئية والتقنيات ثلاثية الأبعاد والواقع المعزز وغيرها قد مثلت دفقة الأكسجين التي انتظرها فن المسرح طويلًا ليخرج من ركوده، بل يمكن القول إنها بمثابة إكسير الحياة الذي سيعيد إلى الفنون شبابها المفقود. حتما لا تزال الأمور في بداياتها، ولكنها البدايات الواثقة التي لا تملك معها إلا أن تحبس أنفاسك وتتابع الفنون في شكلها الحديث الذي يأبي إلا أن يتحفنا كل يوم بإثارة وسحر جديدين. وليس أدل على ذلك من النجاحات الكبيرة التي قابلت بها الجماهير أعمالًا كبحيرة البجع لباليه موريينسكي أو كعروض فرقة بيكسل، حيث يقدم الراقصون عروضهم أمام خلفية تسبح في المؤثرات الضوئية والحركية ثلاثية الأبعاد، هذه المؤثرات التي لا تكتفي بتأثيث المشهد بل تتجاوزه إلى التفاعل الكامل مع النص ومع الراقصين والممثلين، بينما تلعب التكنولوجيا أكبر أدوارها في الكواليس بين أجهزة الكمبيوتر وبرمجيات "الجرافيكس" والـ "ثري دي"، تحركها أصابع بارعة لمبدعين أفرزتهم هذه الطفرة التكنولوجية، بين متحكم في المؤثرات الضوئية ومبرمج للوسائط ثلاثية الأبعاد وكاتب لسيناريوهات الحركات والسكنات ومخرج لكل هذا الزخم.

إن هذه التقنيات لم تكن لتضع بصمتها بهذا الشكل المبهر إلا بالاندماج الكامل بين كل مكونات المشهد. لقد أفرز لنا هذا الاندماج لغة عالمية جديدة لا تحتاج لمفردات، وإذا كانت حركات الممثلين على خشبة المسرح التقليدي تكتمل بما يجري على ألسنتهم من حوارات، فإن حركة الوسائط ثلاثية الأبعاد وتموجاتها وانسيابيتها في الزمان والمكان ومراودتها للراقصين عن حركاتهم وسكناتهم قد حكمت على اللغة المنطوقة بالانزواء بعيدًا وفسح المجال لهذا المشهد الجديد، الصامت بكلماته والصاخب بدلالاته، ليأخذ مكانه بكل اقتدار.

مما لا شك فيه أن وجه المسرح والعروض الفنية اليوم لم يعد كما كان بالأمس، وأن سيرورة الفنون قد اتخذت منحى جديدًا قد لا يمكن معه الرجوع إلى الوراء. فجمهور القرن الحادي والعشرين المتماهي مع التكنولوجيا لا يبدو مستعدًا لتقبل الرائحة العتيقة لخشبة المسرح الكلاسيكية مرة أخرى، خاصة بعد أن وجد ضالته في الفنون بشكلها الجديد المتسربل بالتقنيات الحديثة. وإن المتفرج الذي ظننا أن لا شيء قادر على إثارة دهشته بعد أن رأى كل شيء على شاشاته الذكية، قد عثر أخيرا على خشبة مسرح جديدة استطاعت بأضوائها وعوالمها المتحركة الراقصة ثلاثية الأبعاد أن تجعله يفكر من جديد وأن يطلق العنان لدهشة ستضمن التكنولوجيا استمرارها حتى إشعار آخر.