تختلف التجارب في الظلام عنها في النور. ففي الظلام، تضطر أن تلقي بنفسك في الأشياء لكي تفهمها، أن تتحسسها لتدرك أبعادها، وتتذوقها لتتخيل لونها، وتشمّها لتحيط بطبيعتها، وتصغي لها من حيث لا يمكن أن تراها، نغلق أعيننا أحياناً لنرى بشكل أفضل، ونمد أيدينا إلى الأشياء لنضمها إلى صفوفنا. هكذا يصبح الظلام صديقاً عوضاً عن عدو.

منذ قديم الأزل، عاش أسلافنا هذه المشاعر بشكل يومي، وورثناها منهم في جيناتنا حتى بعد اكتشاف الكهرباء، ولهذا تتفاعل أجسادنا اليوم بطريقة مختلفة في ليالي اكتمال القمر عنها في الليالي الأكثر عتمة. ففي ظل عدم رؤيتك لما يحيط بك، تتغير نوعية تصرفاتك، فتتخذ مثلاً نبرة مختلفة في الحديث مع من حولك. وربما تتغير أيضاً طريقة تفكيرك حسب طبيعة الموقف، فإما أن يوسع الظلام مخيلتك ويمنحك مزيداً من الحرية والانطلاق، أو يقيدك فيكسبك مزيداً من التركيز والحذر.

هذا المجال الواسع من ردود الفعل المتنوعة على الظلام هو مجال خصب لاستكشاف النفس البشرية، لا سيما أنه مرتبط أيضاً بتغيرات فسيولوجية تعود إلى هرمون الميلاتونين الذي نفرزه حين تواجه أعيننا الظلام، فيقوم الميلاتونين بدور المنبه في أجسادنا وينظم إيقاعها الحيوي بطريقة لا زال العلم عاجزاً عن تحديدها. ولهذا نشأ مؤخراً عدد من الأنشطة الفنية والاجتماعية، بل وحتى التجارب الطبية، والتي تقوم على وضع مجموعة من الأشخاص في مكان مظلم ورصد تفاعلاتهم مع مكوناته. ولا يقتصر الهدف على زيادة تقديرنا لنعمة البصر، بل يمكن أيضاً لهذه التجارب أن تجدد وعينا بالأشياء من حولنا، وتحمل قيمة ترفيهية بتأثير عامل المفاجأة إذا مورست في بيئة آمنة، لنعود بعدها إلى النور مشحونين بحماس جديد اتجاه محيطنا. إنها ليست فقط فرص تعليمية ثرية، بل أيضاً تجارب لعب ممتعة تتبدل فيها المشاعر والأحاسيس بشكل مختلف في كل مرة.

من أشهر التجارب في هذا المجال تجربة “مطعم الظلام” الذي يقدم لك الطعام في عتمة حالكة، وتكمن متعتها في تعرّفك على المحتويات بحواسك الأخرى واختبارك لقدراتك في تقدير المسافات وأريحيتك في التعرّف على الغرباء المحيطين بك دون أن ترى منهم شيئاً. بعض الأماكن الترفيهية مثل بيوت الرعب تستثمر أيضاً في عنصر الخوف المرتبط بالظلام، والذي ورثناه من أسلافنا إثر تربصهم بحيوانات الليل المفترسة. كما تستخدم بعض الحفلات الموسيقية الظلام لشحن شعور الجمهور بالموسيقى وزيادة تركيزهم على الصوت دون مشتتات، ولنفس السبب تبقى القصص التي سمعناها في الظلمة محفوظة ومؤثرة أكثر من تلك التي أبصرنا خلالها. ومهما كانت التجربة، فيمكننا التأكد أنها لن تكون نفسها في الضوء، لأن الظلام ينقل الأشياء من مجالها الذهني إلى المجال الحسيّ، فنتواصل معها بشكل أعمق ونسجّلها بكل حاسة من حواسنا، وتصبح جزءاً منا.