علي الدفاع..قصةُ عالمٍ أحبَّ الرياضيات وأحبّته

كان عصر الخميس، الثاني عشر من ديسمبر، شتاء 2018م، لحظةً فارقة في حياة الدكتور علي الدفاع، وهو جالس على كرسيّه متأمِّلًا، أمامه تتهادى قصةُ ثمانية عقود من العطاء، تُجبِرُ جسدَه على المكوث، وتفتح عقله على أفق لا حدود له؛ يبتسمُ الدَّفاع ممتنًّا، وهو يرى الملك سلمان بن عبد العزيز يقلده بوسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى، أرفع وسام استحقاقيّ في المملكة. إنها لحظة تقدير عظيمة للعلم والعلماء، يُشعلُ الملك سلمان فتيلها، احتفاءً واحتفالًا وعرفانًا من الوطن بجميل ابنه البروفيسور الثمانينيّ، الذي أفنى عمره منافحًا عن الوطن وحاملًا لواءه خفاقًا بين الأرقام والمعادلات والمتراجحات، وبين زوايا ومنحنيات الدَّوالِّ المتكاملة. ثمانون عامًا من السفر الدؤوب في تاريخ الرياضيات، و دراستها، وتدريسها، وإبراز جمالها.

على هضبة نجدٍ، وتحديدًا في مدينة عنيزة بالقصيم، رأى النور في أحد أيام سنة 1938م طفلٌ لأبوين ريفيّين، ترعرع الطفلُ في جوٍّ بدويّ، محاطًا بخضرة البساتين وخرير المياه، تحت رعاية الكثبان الرمليّة الذهبيّة.. وسريعًا ما نبغ الولد في دراسته، وكان من الأوائل على قائمة الناجحين في الثانويّة العامّة، ليحصل على منحة من وزارة المعارف السعوديّة لإكمال دراسته الجامعيّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة.. ذلك المشوار الذي سيقوده ليكون علَامة وعلاَّمةً في التاريخ الآنيّ لعلم الرياضيّات.. عن الدكتور علي بن عبد الله الدفاع التميميّ، ملك التكامل، نتحدثْ.

الشاب اليافع الذي ابتُعِث إلى جامعة أوهايو لدراسة اقتصاديّات البترول، آثر أن يمْحض وقته ودراسته للعلم الذي أحبه بجنون: الرياضيّات؛ فنال درجة البكالوريوس في الرياضيّات البحتة من جامعة أوهايو سنة 1966، ثم الماجستير سنة 1972 في الرياضيّات البحتة أيضا من جامعة فاندربيلت، والدكتوراه في ذات التخصّص من ذات الجامعة بعد ذلك بثلاث سنوات. إضافة إلى الدكتوراه في الرياضيّات، يحمل البروفسور علي الدفاع أيضًا شهادة الماجستير في العلاقات الدوليّة من جامعة تكساس الشرقية.

بدأ الدكتور علي الدفاع مشواره في التعليم الجامعيّ، معيدًا في جامعته الأم، جامعة فاندربيلت، ومدرسًا للرياضيات بإحدى الكليات التابعة لها؛ قبل أن تفتح له جامعة الملك فهد للبترول والمعادن - في مدينة الظهران - ذراعيها، ويتقاسمان قصة ثريّة بالعطاء، دامت خمسًا وثلاثين سنة، من 1973م، حتى تقاعده عام 2008م، تنقّل خلالها في مختلف المناصب العلميّة والأكاديميّة، من أستاذ مساعد، إلى عميد لكليّة العلوم بالجامعة، مرورًا بأستاذ مشارك، ثم رئيس قسم العلوم الرياضيّة، ثم الحصول على رتبة الأستاذيّة؛ أثناء ذلك كان أستاذًا زائرًا بعدّة جامعات عريقة، من أبرزها: جامعة الملك سعود، وجامعة هارفارد. درّس خلال هذه المسيرة الطويلة: مادة التكامل، وتاريخ الرياضيّات، وتطوّر علم الرياضيات، وتطوّر علم الرياضيّات عند المسلمين، إضافة إلى العلوم في التاريخ الإسلاميّ.

تسعة وأربعون كتابًا في: التاريخ، والرياضيات، والعلوم، ومائتان وخمسون أثرًا علميًّا، من: مقال، ودراسة، وبحثٍ علميّ منشور في المجلّات والدوريات المحكّمة، السعوديّة والعالميّة، باللغتين العربيّة والإنجليزيّة: هذه هي الثروة العلميّة التي تفتّق عنها ذهن الدكتور علي الدفاع، وأودعها شغفَ الصفحات البيض، موازاةً مع مجهوده الأكاديميّ؛ يمكننا أن نذكر بعض أهم هذه المؤلفات: "الموجز في التراث العلميّ العربيّ الإسلاميّ، جون وايلي وأولاده، نيويورك، 1979"، "العلوم البحتة في الحضارة العربيّة الإسلاميّة، ط.1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1981"، "إسهام علماء العرب والمسلمين في علم الحيوان، ط.1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1986"، "إسهام علماء العرب والمسلمين في الصيدلة، ص(183- 238)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1985"، "د. جلال شوقي: أعلام الفيزياء في الإسلام، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1985"، "إسهام علماء العرب والمسلمين في علم النبات، مؤسسة الرسالة، بيروت"، "إسهام علماء العرب والمسلمين في علم الصيدلة"، "العلوم البحتة في الحضارة العربيّة"، "رواد علم الطب في الحضارة الإسلاميّة"، و شارك في ترجمة "تايلر ويد: حساب التفاضل والتكامل للجامعات والهندسة التحليليّة" من الانجليزيّة إلى العربيّة.

أخذ البروفسير على عاتقه مهمّة إبراز تاريخ الرياضيات والفيزياء والعلوم في الحضارة الإسلاميّة مشروعً شخصيًّا، نافح عنه بكل اقتدار وإيمان، وحفر عميقًا في التراث الإسلاميّ، باحثًا في تلك الكنوز، وكاشفًا أهمّيتها ودورها في تاريخ العلوم في الحضارات البشريّة المتعاقبة، ومقارنًا دور العلماء المسلمين على صعيدي الوصل والاكتشاف، ومنيرًا تلك الحقبة التاريخيًة، وذلك الحيز الجغرافيّ بأضواء كاشفة، ومضيفًا إلى المناهج العلميّة والأكاديميّة في الجامعات العالميّة، فصولًا كانت غائبة أو مغيّبة أو منسيّة، من تاريخ العلوم، وخصوصًا الرياضيات والفيزياء. وامتدادًا لهذه التوجه ترأس الدكتور علي الاتحاد العربيّ للرياضيّات والفيزياء خلال دورتين متفاوتتين.

الآن، وبعد مسيرة حافلة: تدريسًا وتأليفًا، في مختلف فروع الرياضيات، وخصوصًا التكامل، الذي درَّسه وأولاه اهتمامًا خاصًّا حتى بات مرجعيّة علميّة فيه، ما حدا بطلابه إلى تسميته أبَ التكامل (وملك التكامل)؛ ينعمُ الدكتور علي الدفاع بتقاعدٍ مطمئن في مسقط رأسه القصيم، بين كتبه ومحرابه وذكرياته، وحضوره الوافر على رفوف المكتبة العلميّة الكونيّة، وفِي مسيرة وامتنان وعرفان آلافٍ من طلاب العلم، الذين تربوا على يديه، في وطنه السعوديّة، ومن كل بقاع العالم، وكل الديانات والثقافات والشعوب.