الصور الرئاسية : خزانة التاريخ البصري

بندر الجلعود مبتكر الدهشة وعرّاب الصور الأيقونية

يكتبه: حسين الدغريري ( @hosaa ) – مهتم بالفنون البصرية

في يوم من الأيام والأحداث الفارقة التي مرت على هذا البلد، لا زلنا نتذكر كمصورين وصناع إعلام حين توقفت السيارة الدبلوماسية التي كنا ننتظرها لساعة عند مقر الحادثة التي ينتظر العالم خبراً عنها، وفي قمة حماسنا واستعدادنا للحظة وصول خروج السفير إذ يفاجئنا مساعده الشخصي ليخبرنا بأن السفير في السيارة يستعد للخروج ولكنه فضّل سؤالنا عن جاهزيتنا حتى يخرج لنا ونحن في كاملية صناعة اللقطة وإرسالها للعالم في أبهى صورة!

هذه الحادثة أوصلت لنا أهمية صنع الصورة على الرغم من (مسرحتها) إلا أنها توصل لنا القيمة الأسمى للصورة وهي القصة الكاملة كما يجب أن تروى.

تشكل الصور الاخبارية والسياسية النسبة الأكبر من موج الصور الهادر الذي يدفع الناس للمشاركة والنشر أكثر من أي مواضيع أخرى، فبعد أن كانت هذه الصور والأحداث تتصدر الصحف المطبوعة كوسيلة جذب أصبحت الصورة السياسية والقصص التي ترويها هي الموضوع الأبرز للحوارات والتغريدات وحتى الرسائل، وأكثر دلالة على قوة تأثير الصورة السياسية وصداها عندما تشاهد تغريدة للرئيس الأمريكي أوباما يقف عند نافذة يطل منها ثلاثة أطفال بألوان بشرة مختلفة وينظر لهم ضاحكاً حاصدة ٤ ملايين ٣٠٠ ألف إعجاب وأكثر من مليون ٦٠٠ ألف إعادة تغريد! وأكثر من ١٠٠ ألف تعليق! هذه الأرقام بلا شك تبين لك أنها ليست صوراً عادية تلك التي تبلغ الآفاق ورغم الرسائل السياسية التي تتبناها الجماهير إلا أن هناك جوانب عديدة تجعل من الصورة مغرية للمشاركة أو كما يقال ( nice to share ).

هناك نقاط مهمة في حياة مصوري الأحداث والتصوير الصحافي واللحظات السياسية الفارقة جعلت منهم صناع للصور الأيقونية التي تجوب العالم وتتداول ليس في الصحف الشعبية وهواتف العامة بل حتى طاولات صناع القرار والمؤثرين من الساسة، حينما تدرك بأن صورة التقطت في لحظة حاسمة قد تثير حماسة وطنية لدى الشعوب وقد تساهم في تغيير رأي مجتمع لم تستطع الخطابات تغييره وقد تشعل حرباً وتطفأها بكل بساطة!

في عام ١٩٦١م لم يكن لدى البيت الأبيض مصورين ينقلون تفاصيل الحياة الأخرى للرئيس الأمريكي حينها كينيدي والتي يتوق الشعب لرؤيتها عبر الرئيس الأنيق وعائلته، لم تكن تخرج الصور سوى عبر بعض مصوري الجيش والعسكريين حينها انطلقت فكرة مصوري البيت الأبيض والتي تعتبر لبنة أساسية في تصنيف جديد لتوثيق الصور الرئاسية والتي تستوجب نقل هيبة الدولة عبر أعلى شخصية في الهرم ونشر الصور الرسمية وغيرها من اللحظات العائلية والخاصة ومناسبات العشاء والكواليس واستخدمت كقوة سلام ناعمة استطاعت أن تصنع فارقاً على مستوى العالم، ورغم ما شابها حينها من اعتراض من الرئيس الأمريكي في سنّ حدود لما يجب أن يصور وما لا يصور إلا أن اختياره للمصور سيسيل ستوتن كان فتحاً بصرياً في عالم الصور الرئاسية.

وعند استعراضنا للصور الصحافية الفائزة والأرشيف الرئاسي للدول ندرك أن ثمة معايير أساسية صنعت هذا الكنز البصري الذي ينقل لنا رسائل وتاريخ الدول عبر قادتها لعل من أهمها :

اللحظة

التي لا تتكرر للأبد! حينما تتشكل مواقفها في ايماءات واشارات ونظرات لا تدركها العيون المجردة ليبقى المصور بكل أدواته وحدسه متأهباً للحظاته المفضلة التي يدرك وهو يلتقطها بأنها هي الصورة المنشودة التي تحكي الحدث وتلخصه عبر زر الغالق في كاميرته.

البروتوكول

في عالم الحياة الرئاسية والملكية يدرك الفريق العامل حول الرؤساء ما يشكله الضغط الهائل لصناع الأخبار والميديا والصحافة ومحاولاتهم لإشباع نهمهم الذي تفرضه عليهم وكالاتهم في اقتناص لحظات الحسم عبر الصورة والفيديو والصوت، تتعارض هذه المهام كثيراً مع القوانين لكل بلد والبروتوكولات لكل حدث والمراسم الخاصة لكل غرفة وقاعة وصالة لذلك المصور المحترف هو الذي يصنع صورته في المكان الصحيح والتوقيت المناسب دون أن يتسبب في طرد نفسه من الحدث!

الرؤية الفنية

وهي تراكمات من الخبرات التي تتكون في عين المصور الرئاسي والصحافي في لحظات وأجزاء من الثانية يدرك في مخيلته ما ستكون عليه اللقطة بعد خطوة قدم أو التفاتة أو وحتى انعكاس ضوء وخطوط ظل! قواعد التصوير وفنونه وتفريعاته وأقسامه يستطيع المصور الخبير أن يترجمها في لحظات حين يدرك الموقف الذي على عاتقه في التقاط الصورة التي ستهز الشارع.

الأداة

التحكم الكامل بالكاميرا هي صفة بديهية للمصور الرئاسي لا تكتمل قصيدته إلا بهذا القلم والمحبرة، وعلى الرغم من التطور السريع الذي تقدمه شركات صناعة الكاميرات إلا أن المنصات والشبكات الاجتماعية ألقت بظلالها على هذه التقنيات فلم يعد الأمر يتعلق بكاميرا متطورة فقط بل في توثيق لحظة بأي طريقة كانت سواء متحركة أو ثابتة، بصوت أو بدونه، بكاميرا احترافية أو بهاتف محمول! ولأن الفيصل في النهاية للقصة لم تعد الأداة سوى مكمل أساسي لجودة الالتقاط ومعيار لحفظ الصورة والمحتوى المرئي في أرشيف مستقبلي يهتم بأرقام الميجابكسل العالية لأغراض الأرشفة، ولأن التقنية أسرع مما نتخيل سيكون المستقبل للفيديو بلا شك ولفروعه كالبث المباشر والواقع المعزز في توثيق هذه اللحظات الحاسمة في تاريخ الدول والسياسة.

بندر ..

وعندما يتحدث الناس عن الصور الرئاسية يتجلى لنا المصور بندر الجلعود متصفحين تاريخاً بصرياً لا ينسى من اللقطات التي تناقلها السعوديون بكل حماس وفخر، ولا زال في أوج عطائه يبهرنا كل مرة بصورة أجمل مما مضى، يروي بها رواية أخرى لهيبة الملك وولي عهده، الملك ينظر لساعته، يلوح بيده، يرتشف قهوته، يحادث الزعماء، ولي العهد يبتسم، يستمع، يرسل نظرات من الأمان والحكمة، ونستقبلها نحن بترجمان صادق لهذه الصور التي كان بندر هو الوصلة التي أرسلت مشاعرها.

بندر الجلعود كصديق قديم لي عرفته كمثابر ونصوح وصادق ومحب للضوء قبل أن تدفعه احترافيته قبل أخلاقه لهذا المنصب المشرف كمصور للملك سلمان يوم أن كان ولياً للعهد وحتى اليوم وهو يصول في أروقة الديوان الملكي وبلاط القادة والرؤساء ينقل خطابات بصرية وسبقاً فنياً للشعب وللعالم.

وإلى جانب الأعمال التي جمعتنا في مناسبات متفرقة وأحداث سياسية فارقة إلا أنه لا يتوقف عن مساعدتنا كفريق وإسداء النصائح والتلميحات لنا في مواقف مهيبة قد لا تتكرر مرة أخرى إلا أن خلقه وذكاءه الاجتماعي وبذله صنع منه اسماً مختلفاً بكل جدارة.

إن المصور الرئاسي بما يملكه من أرشيف بصري يحفظ لنا تاريخاً مهماً في حياتنا كسعوديين من خلال توثيق الأحداث الأبرز للقادة والأحداث والمناسبات الوطنية أصبح بمثابة بيان ومؤتمر صحافي بصري نتابع من خلاله الصورة الفنية للملك وولي العهد حفظهم الله، وبلا مقدمات أصبح مصدراً إخبارياً مهماً يقدم الخبر بطريقته الفنية التي نسعد ونأنس بها كمتذوقين بأن تصاغ بصرياً بهذه الصورة الأدبية التي تنتقل بالضوء للعالم أجمع.

خلال الفترة الماضية قدم بندر لنا تحفاً بصرية مدهشة سارت بها الركبان برؤيته الفنية التي تميز بها لندرك بعدها أننا بخير حين تكون هذه الصور الاستثنائية للأحداث التي سنتناقلها بفخر وجمال للأجيال القادمة ونحن نقص عليهم قصص الرؤية وسنوات العز والرخاء في كامل اناقتها الفنية.