تشتهر تغريد، القاطنة في مدينة الأحساء بالمنطقة الشرقية، بلوحاتها الفنيّة الفريدة، برقابها ووجوهها الطويلة، وملامحها البسيطة والعميقة في ذات الوقت. ولأكثر من ٢٠ عامًا، وثَّقت قصةَ بلادها متعددة الأوجه من خلال فلسفتها ومشروعها الفني العظيم، فكل عمل يحكي قصة، ويطرح فكرة، وينقل رسالة معينة إلى الجمهور.

تقول تغريد : "أنا إنسانةٌ متفائلة دائماً، وواثقة أن الغد سيكون أكثر إشراقا؛ أُحب الطبيعة ويلهمني صمودها وجمالها. كل قطعة من أعمالي الفنية مليئة بالأمل والحب والسلام ".

لا تخفي تغريد، الفنانة والأم، إحساسها بالجانب المضيء في هذه العزلة المفروضة؛ إنها تنظر بتمعن إلى النصف الممتلئ من الكأس؛ فهذه فرصة لتمضي وقتا أطول مع أبنائها، ووقتا آخر في مواجهة ذاتها والجلوس إلى نفسها قليلا. العالم المتسارع من حولها كان يحرمها من هاتين المُتعتينِ ، أو يختصرهما كثيرا في أحسن الحالات.

تضيف تغريد: "تمنيت أن تكون عزلتي هذه مع عائلتي الكبيرة، والديَّ وأخواتي؛ كان ذلك ليخفف من حدتها. لقد تعودنا أن نلتقي جميعا كل جمعة في بيت العائلة، واليوم توقفنا حتى عن مزاولة ذلك الطقس العائلي الأسبوعي، حفاظا على سلامة الجميع. أكاد أشعر أننا نعيش أحداث فيلم سينمائي ، آملُ أن نصل إلى نهايته بسرعة".

أكثر من شهر من العمل على "حدث في عصر الكورونا "؛ هذه القطعة الفنية التي وضعت تغريد رتوشها ولمساتها الأخيرة قبل بضعة أيام فقط من الآن، لـإثرائيات شرف السبق بتقديم هذه القطعة للمرة الأولى إلى الجمهور.

"أردت التقاط تفاصيل ما تفعله هذه الأزمة بنا، إنها تتحدانا، و تعلن علينا الحرب، فلا نملك إلا أن نضع أطباءنا جنودا على الخطوط الأمامية، ونقف خلفهم تماما، نغسل أيادينا ونبقيها بعيدا عن وجوهنا.
أنا واثقة أننا سننتصر في هذه الحرب؛ فهناك زهور وطيور وأطفال ولحظات ولادة، وهناك حياة يجب أن تستمر، وهناك شمس ستشرق".

"وقت للذات" لتغريد البقشي. هذه القطعة الهادئة تطرح سؤال التأمل الذاتي، تشرح تغريد أكثر: "ممتع وضروري هو التأمل الذاتي. قبل العزلة، كنا نتأرجح بين شؤوننا وشجوننا اليومية، بعيدًا عن دواخلنا وذواتنا؛ أما الآن، فهذه فرصتنا لنتعرف على أنفسنا وعلى بعضنا البعض، فقد أصبح لدينا الوقت لفعل ذلك أخيرًا".

"تحية للطبيعة" لتغريد البقشي. تقول تغريد عن عملها: "كل حمامة تحمل رسالة منّا إلى الكون؛ خطابَ شكر نبث فيه عرفاننا وامتناننا للطبيعة لأنها مصدر السلام والجمال. أنا نشأت بين واحات النخيل، وأشعر أن روحي على اتصال مباشر بالطبيعة الأم".

تأخذنا تغريد البقشي في مشروعها الفنّي الموسوم بالعمق والجمال معا، المتكِّئِ على أساسٍ فلسفيٍّ متينٍ، الموغلِ في تفاصيل الحياة من حولنا؛ ثم تضعنا على سكة المرايا، كي نستمتع بانعكاس أفكارها ورؤاها ونظرتها للكون؛ إنها بارعة في زرع جزء من ذاتها في كل عمل فني تبدعه، وفِي التقاط نبض اللحظات المفعمة بالمعنى، وتعليبها في لوحة خالدة.

تقول تغريد في مقابلة حصرية لإثرائيات مشروعي الفني أتحدى الصور النمطية والاعتقادات الخاطئة والأحكام المسبقة، متجاوزةً إلى الأفق المفتوح. في الحقيقة لا أؤمن بما يُدعى الفنَّ السعودي التقليدي، أو المرأة السعودية التقليدية، وهذا ما تسعى أعمالي الفنّية إلى تقديمه للجمهور". رحلة تغريد الفنية، بدأت منذ بواكير طفولتها، علاقة حب وطيدة مع الفنّ والألوان. كانت تهوى الرسم وتتعاطاه فنًّا وجنونًا طفوليًا، وتحب ما تقترفه أصابعها الصغيرة من فوضى لونية على سجاد البيت وجدرانه.

وتسترسل تغريد: "دعمتني عائلتي بشكل كبير، وكان والدي – رحمه الله – يزودني دائمًا بكل ما أحتاجه من ألوان ومواد أولية.

كان أبي محبًا للقراءة ولذلك خصص غرفة من منزلنا للكتب والمطالعة؛ كنت حينها صغيرةً أتسلق الرفوف للحصول على الكتاب الذي أريده . من أكثر الأشياء التي ساعدتني في مشواري الفني أنني أنحدر من عائلة ثقافية فكرية تدعم الإبداع والتميز".

توقفَت تغريد للحظة، وانسابت وراء ذاكرتها، وصور المدرسة الابتدائية، وكيف كان زملاؤها في الصف يلجؤون إليها كي تساعدهم في إكمال "واجباتهم المنزلية الفنيّة". وأضافت ضاحكة: "يبدو أن مدرّستي لم تهتم أو لم تنتبه إلى حقيقة أن معظم الأعمال الفنية التي ينجزها التلاميذ في صفي كانت لها نفس الروح وذات الأسلوب.

" المرأة هي البطلة، والنص الغائب، والصدى، والتيمة الأساسية، وروح المعنى في كل الأعمال الفنية التي أنتجتها تغريد طيلة مسيرتها الفنية. تضيفُ: "أحبُّ في أعمالي أن أتمثل المرأة بثنائية قوتها وأنوثتها؛ وجهة نظري أن النساء السعوديات يستطعن التفوق مهما كانت الظروف، فالتحديات والعقبات التي واجهنها جعلتهن أقوى". تنشط تغريد في المشهد الفني والثقافي السعودي، كعضو مؤسس في الجمعية السعودية للفنون الجميلة، وتقدم فنها لجمهور عريض يغطي خريطة المملكة ويعبر إلى خارجها.

"أُحب تمثُّل النساء بقوتهن وأنوثتهن..."

تقول تغريد إنها استلهمت أحد أعمالها من لوحة غرنيكا للفنان الإسباني بابلو بيكاسو. وهي لوحة فنية مناهضة للحرب، اكتمل رسمها في عام ١٩٧٣ على القماش، كتعبير عن وجهة نظر بيكاسو في الحرب الأهلية الإسبانية. عادة تغريد هي الاستمرار في التفكير والرسم وصناعة الأعمال الفنّية الفريدة، ومواصَلة تفاصيل الحكاية وسرد القصص الملهمة من خلال أبجدية الألوان ولغة الجمال. وتستعد هذا العام لنشر أعمالها الكاملة في كتاب تضمنه زبدة مشروعها الفني.

وأخيرًا، ماهي رسالة تغريد للمعجبين والفنانين الطموحين؟ "مارسْ كل عمل بقلبك وروحك، حينئذ فقط ستتمكن من مخاطبة أرواح الآخرين، وملامسة قلوبهم".

تغريد البقشي على تويتر :@Tagreedart

على انستجرام: @Tagreedbagshi

- بقلم: ريم تينا غزال