لوحة (عبق الماضي) للفنان: فايع الألمعي

بينما يمضي قطار الحياة على قضبانه المعدنيّة، بإيقاعه الرتيب، واهتزازاته المتفاوتة الشدّة بين الفينة والأخرى، وبينما يغط ركابه في تفاصيلهم المكرّرة التي لا تنتهي، يفتح آخرون في جدار اللحظة نافذة على واقع مختلف، يضيف إدراكهم إلى أشيائه بُعدًا رابعًا، سرعان ما يتحوّل إلى فيصل بين لحظة ولحظة، وحاضر وحاضر، وغياب وغياب. يدرك الذهن ـ ولو من خلف أسوار لا وعيه ـ أنّه الآن منفيّ الزمان والمكان، وأنّ السبيل الوحيد، ربما، يكمن في تلك النافذة الوهميّة التي يحاول فتحها، بينما تطالع العينان بنظراتهما الزجاجيّة، قطرات المطر المنسابة على زجاج نوافذ القطار الباردة.

إنها النوستالجيا، الحنين الذي يشدنا إلى أوقات سابقة، أو أماكن قديمة، عرفنا فيها لحظات من السعادة. ربما تتعلق تلك اللحظات بوطن فارقناه، أو بأشخاص فقدناهم، أو بحياة بسيطة ضاعت معالمها بين تعقيدات حاضر رماديّ معقّد، أو حتى بأنفسنا، حين نبحث عن ذواتنا قبل أن تجرفها رياح التغيير نحو الأسوأ، نسبيًّا على كل حال. في جميع الحالات ينبع الحنين من صراع داخليّ ناتج عن رفض الحاضر، مع العجز عن تغييره، أو من شعور بالاغتراب وعدم الانتماء إلى الواقع. ولا شكَّ أنَّ حضور النوستالجيا هو مؤشر قوي على توتر العلاقة بين الذات وبين الزمكان الذي يحتويها، مع كلِّ ما يشوب هذا التوتر من: مشاعر النّدم، والرفض، والمعاناة الدائرة في فلك البحث عن استرجاع الشيء المفقود، أو الاقتراب من الشيء البعيد.

لعلّ هذه الطبيعة المَرَضيّة للنوستالجيا ـ ظاهريًّا على الأقل ـ كانت السبب في اعتبارها في البداية مرضًا نفسيًّا، إذ يرجع أوّلُ تشخيص طبيٍّ لها إلى ملاحظة الاضطرابات النفسيّة، والأعراض الفسيولوجيّة، التي تصيب العمال والجنود، مع طول ابتعادهم عن أوطانهم، وتتفاقم هذه الاضطرابات كلما اقترنت باسترجاع الذِّكريات، أو بقراءة الرسائل، أو بغيرها من أدوات استحضار الاغتراب وتمثيله حسيًّا وبصريًّا، ومن هنا كان ظهور مصطلح النوستالجيا المعبر عن معاناة البعد عن الأوطان، مشتقًّا من اللفظين اليونانيَّين "نوستوس" أي العودة و"ألجوس" أي المعاناة. سرعان ما اتّسعت فكرة النوستالجيا لتشمل الحنين إلى الوطن، وإلى كل ما سواه مما يستثير في النفس مشاعر الشوق إلى نقطة زمانيّة أو مكانيّة أخرى، ولتخرج من المفهوم الطبيّ الضيق، إلى المفهوم الفلسفيّ الرحب، بمختلف جوانبه: الفكريّة، والاجتماعيّة، والنفسيّة، والأنثروبولوجيّة، وبمختلف تناقضاته كذلك.

إنَّ للحنين أدواتٍ تلعب دور مصباح علاء الدين، إذ يكفي استحضار هذه الأدوات لتنفتح على مصراعيها، تلك النافذة الخفيَّة في أعماق كلِّ منا. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ الذاكرة هي اللاعب الرئيسيّ الذي يلعب في نفس الوقت دور مخزن الرؤى، والذِّكريات، ودور قائد الأوركسترا. كيف يمكن تخيُّل لحظة نوستالجيا من دون تذكير حسيٍّ يطرق أبواب الذاكرة ويستخرج مكنونها؟ صورة فوتوغرافية قديمة نراها، أو أغنية نسمعها، أو حتى رائحة نشَمُّها، أو أماكن نرتادها بعد طول انقطاع. لقد خلقنا للأشياء في إدراكنا بُعدًا جديدًا هو الوقت، فقط لنسافر عبره، في رحلة المصالحة مع الذات ومع الواقع المرفوض. هل جربت في غربتك الطويلة أن تشَمّ رائحة طبق شعبيّ أعادك في لحظات إلى استحضار صورة الوطن والبيت والعائلة والتقاليد؟ هل انتزعتك من أعبائك المعقّدة يومًا صورةٌ قديمة عابرة، ذكَّرتك بأيّام الدّراسة، وأرسلت ذهنك بعيدًا في رحلة الشوق إلى حياة بسيطة بلا مسؤوليّات؟ إنّها بلا شكّ عمليّة زاخرة بالشجن والمعاناة، أبدع الكاتب البرتغالي "غابيتو نونيز" في وصفها بأنّها شخصنة للواقع الغائب المنشود، وبحث ملهوف عن شخص ينتظرنا في اللا مكان، عن نظرات ما، عن عطر ما.

ولقد حظيت فكرة الحنين أو النوستالجيا بمكانة كبيرة في الأدب والفنّ العالميّين، بشكل قد يصعب حدوثه مع غيرها، إذ لا يختلف اثنان في أنّ رفض الواقع، أو مخالفته على الأقل، هي أبسط أشكال التعاطي الفنّيّ والأدبيّ، القائم على جدليّة الواقع والخيال. وبرغم أنّ المصطلح نفسه قد ظهر في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، فإنّ جوهر الفكرة كان دائمًا هنا منذ أن عرف الإنسان معنى التقلّبات والتغيّرات. من الأدب الإغريقيّ القديم، وقصائد هوميروس التي جاء فيها على لسان أوديسيوس رافع لواء الحنين إلى الوطن الغائب: "ما أتمناه كلّ يوم هو أن أعود إلى هناك، وأن أرى في منزلي نور العودة"، إلى أدب الجزيرة العربيّة القديم الذي حفلت قصائده الجاهليّة بطلليّات الحنين، وبكائيّات الشوق إلى ماضٍ لن يعود، وصولًا إلى نوستالجيا الأدب الحديث في كتابات السيّاب، ودمشقيّات نزار قباني، وغيرهما من الأدبيّات العالميّة ككتاب "البحث عن الزمن المفقود" للروائي الفرنسي مارسيل بروست.

الفنون بدورها أفردت لفكرة الحنين حيّزًا كبيرًا على اختلاف أدواتها، رسمًا ومسرحًا وسينما وعمارة. وتتجلى في حائط التربة المدكوكة في مبنى مركز إثراء - على سبيل المثال - نوستالجيا الجذور، التي تمتد من خلالها روح الفنّ المعماريّ إلى واقع البدايات وحنين الأصل. ولم تشذَّ السينما عن القاعدة، فاحتفلتْ بمفهوم النوستالجيا شكلًا ومضمونًا، ولنا في أفلام مثل: "ذات مرّة في أمريكا"، أو "منتصف الليل في باريس"، أو "الرجل الأيرلنديّ"، جرعات نوستالجية تخوض أحيانا في العمق الفلسفيّ للفكرة.

هذا الطابع الفلسفيّ كثيرًا ما كان عامل جذب إلى قلب دوامة الحنين، حيث تتمازج الفكرة ونقيضها في سياق زمكانيّ واحد، يُغري بمناصبة النوستالجيا شيئًا من العداء، أو لنقل التحفظ. إذ في حقيقة الأمر تبدو النوستالجيا نوعًا من أنواع الخداع الذاتيّ، وإلقاءً طوعيًّا للنفس، في منطقة وهميّة يجتمع فيها الحزن والسعادة، في نفس النقطة، وفي نفس اللحظة، وتتشوّه فيها الحقيقة تشوهًا إيجابيًّا، يحيل الماضي - على مآسيه - ملاذًا آمنًا من معاناة الواقع الحالي. يصف ـ وباقتدار ـ فيلم "منتصف الليل في باريس" حالة الضياع هذه، حين يسافر بخياله في رحلة نوستالجيا إلى عبق القرن العشرين، وأصالة مبدعيه وأدبائه، ليصطدم برفضهم لواقعهم، الذي اعتبره بطل الفيلم المهرب والملاذ، وبحنينهم إلى أجواء القرن التاسع عشر، في حلقة نوستالجيا على طريقة العصا والجزرة، تدور بنا إلى ما لا نهاية. تتفاقم هذه المعضلة من خلال الطبيعة الانتقائيّة للذّاكرة النوستالجيّة، التي تركز على إيجابيّات الماضي، وتتغافل عن سلبيّاته، لتزيد من جماليّة الصّورة البراقة، وتُكرّس ارتهان الذِّهن لها. وتتحول المعضلة إلى مأساة عند تحوّل الحنين في حالته الخادعة هذه، من نوستالجيا فرديّة - تعكس حالة نفسيّة من العلاج الذاتيّ أو الهرب - إلى نوستالجيا جمعيّة تتحكم في وعي المجموعة، وترتبط ارتباطًا وثيقًا ومنطقيًّا بسياقها التاريخيّ والإنسانيّ. يظهر الحنين الجمعيّ ويزدهر، في أوقات النكسات والهزائم، بينما ينزوي في أوقات النمو والإنجاز، حيث حضور القناعة بإمكانيّة تغيير الواقع، وغياب الرغبة في الهرب منه.

إنّ الحنين شعور متأصّل في الذاكرة الإنسانيّة ومكمّل لها، وهو نافذة ضروريّة في جدار الحاضر المحيط بنا. وفي ظل المتغيّرات التي نعيشها اليوم، يبدو المجال خصبًا للنوستالجيا، لتهيمن أكثر على الإدراك الفرديّ والجمعيّ، ولتقدم له رحلة مجانيّة إلى مناطق وهميّة، يعيش فيها سعادة مشروطة، بالبقاء أطول مدّة ممكنة في حالة التخدير تلك، لأنّ أيّ استفاقة منها ستعيده إلى أرض الواقع، الذي يسقط يومًا بعد يوم في قبضة الفردانيّة والانعزال، حيث تنحصر مفاهيم: السعادة، والبساطة، والجمال، في جرعات منشودة من النوستالجيا، قد تصبح يومًا ما مطلبًا عسير المنال.