صورة لنجيب الزامل في سنّ مبكرة

بدا يومُ السبت، الرابع من يناير، يومًا شتويًّا عاديًّا في المملكة العربيّة السعوديّة، وفي ساعات الصباح الأولى، حين كانت الشمس ما تزال ترسل إشراقاتها الأولى، وصلَ الخبر الحزين من ماليزيا: رحل نجيب الزامل! تاركًا غيمة حزنٍ داكنةً في سماء الوطن. كان الفقيد الذي أسلم الروح لباريها محلَّ تقدير من الجميع، خصوصًا في عوالم: الكتابة، والفكر، والصحافة، والعمل التطوعي، وفي دوائر الدولة التي شغل فيها منصب عضو في مجلس الشورى.

نعاه الجميع، وبكاه الكلُّ، واستذكره أصدقاؤه ومحبوه بكثير من الحبّ، وبفيض غامر من الودّ والتقدير، تلك الهبة من المحبّة والاحترام كانت نتاجًا طبَعيًّا لمكانة كبيرة، بناها الرجل بالعمل، والفكر، والسمعة الحسنة في قلب السعوديّين، على امتداد مسيرته الشخصيّة، والفكريّة، والمهنيّة. نجيب الزامل عاشقٌ أحبَّ الوطن و آمن به، ذلك الإيمان الذي سيقوده ويرشده لاحقًا في مختلف مسارات حياته.

درس نجيب الزامل في مدارس أرامكو، وفيها تشبّع بحبّ الوطن، ونهل من معين الوطنيّة حتى الثمالة، وتعلّم أنّ ثمّة واجبًا كبيرًا يقع على عاتق كل مواطن حيال نهضة المجتمع وتطوره، وقد أدى واجبه كما ينبغي وزيادة.

بدأ نجيب الزامل خدمة الوطن من بوابة الكتابة، ببعثرة أفكاره الملهمة على الورق، ومدّ جسور التواصل مع القراء الذين أحبوا قلمه، وأدمنوا قراءته، من خلال: صحيفة اليوم، وصحيفة الاقتصاديّة، وعدة صحف سعوديّة أخرى أفردت له مساحة من البياض ليخاطب روحَ القارئ من خلالها؛ قبل أن يصدر بعض كتاباته الدوريّة في كتب، ويؤلف أخرى بمحتويات جديدة، تتكئ على السرد وفنّ القصّ، من أجل إيصال أفكار ملهمة، وتمرير رسائل قادرة على التأثير، والإسهام في صناعة التغيير الإيجابيّ المنشود في المجمع، مثل كتاب "نزهة في سبعة أيام" الذي صدر منه جزءان، وآخر مؤلفاته "رسالة إلى ابنتي" الذي صدر قبل رحيله بثلاث سنوات.

نداء الوطن الذي ظلّ يشدو في ذهن نجيب الزامل، قاده للاحتفاظ بالكتابة إيمانًا منه بأنّها فعل عظيم، وزاد عليها بأن دلف إلى العمل الميدانيّ؛ فأضاف إلى الكتابة على الورق كتابة أخرى على خريطة الوطن، بحبر العرق، والجهد، والفعل المباشر، والتواصل مع الناس. تدرج الراحل في العمل التطوعي - الذي اعتُبر أيقونته - إلى أن أسندت إليه رئاسة مجلس إدارة جمعيّة العمل التطوعيّ في السعوديّة، والتي قدم من خلالها جهودًا مشهودة لزرع ثقافة التطوع لدى الشباب السعوديّ، خدمة لوطنهم وشعبهم.

تتويجًا للسيرة المثقلة بالعمل التطوعيّ الجاد والبناء، سُمِيَّ الزامل سنة 2011 "شخصية العام التطوعيّة" في العالم العربيّ، استلم جائزتها ودرع تكريمها في الملتقى الإعلاميّ الأول للعمل التطوعيّ الذي التأمت فعالياته في الخامس من مايو 2011 بجمهوريّة مصر العربيّة.

واصل نجيب الزامل العمل على كلِّ الجبهات: كتابةً، وتأليفًا، ومحاضراتٍ، وتأطيرًا للشباب، ورفعًا من أهمية الأعمال التطوعيّة، وتأسيسًا لمبادراتٍ محليّة تحاول أن تستفيد من وقت فراغ الشباب، لتقديم خدمات لصالح نهضة المجتمع وتطويره من جهة، والتطوير الذاتيّ للشباب أنفسهم، وتعزيز ثقتهم في أنفسهم من جهة أخرى. كان الزاملُ يستغل الفرصة دائمًا ليكون ملهمًا لجيل تربى على يديه، وأحاطه ببصيرته الثاقبة، وقدرته على إطلاق العبارات الملهمة التي تلهب حماس الشباب واليافعين، حتى بات قدوة. في سنة 2009 عين الزامل عضوًا في مجلس الشورى السعودي، عرفانًا بجهوده في خدمة المجتمع، ورغبة في الاستفادة من مشورته في قضايا البلد، وخصوصًا القضايا الاجتماعيّة والفكريّة والثقافيّة التي خبِرها منذ نعومة أظفاره.

رحل نجيب الزامل بعد أن ترك خلفه ذكرًا طيبًا، وسيرة عطرة، وتاريخًا حافلًا بالعطاء و حب الوطن.