ملفُّ العدد

الأسطورةُ.. خلاصُ الخيالِ من مأزقِ الواقع

وجة شهرزاد – للفنان الفرنسي فريديريك ويلهيلم ريشتر ( ت 1913 )

لم يخلُ العالم يومًا - على اختلاف حضاراته وثقافاته - من ثنائيّة المعلوم والمجهول، أو المحقَّق والغيبي. ولقد لعب الخيال الإنسانيّ بجموحه اللامحدود دورًا محوريًّا في إضفاء الجو الخرافي على وقائع الحياة، ليولد بذلك واحد من أكثر المفاهيم إثارة للشغف والرهبة على حد سواء: الأساطير.

إذا ضعفت النفس استسلمت للخرافة، تعكس هذه المقولة لأجاثا كريستي جانبًا عميقًا من الضمير الجمعيّ لإنسان ما قبل الطفرة التكنولوجيّة والعلميّة، التي نقلته من حالة الضعف أمام الطبيعة إلى حالة الفهم لقواعدها، والتمكن من حيثياتها. الأسطورة في نهاية الأمر هي نتيجة لعلاقة عكسيّة بين الخرافة والإدراك، فكلما نقص الإدراك استفحل الضعف، وتغوَّلت الخرافة، وتعملقت الأسطورة.

بيد أن علاقة الإنسان بالأسطورة تبدو أعمق من مجرد تفاعل سببيّ بسيط، وتتجاوزه إلى أن تكون علاقة احتياج مبنيّ على أسلوب الكرّ والفرّ. إن احتياج الإنسان إلى الأسطورة، هو في حقيقة الأمر احتياج إلى فهم العالم من حوله، وبحث عن تبديد القلق الذي يسببه غموض الكون وألغازه، واحتياج إلى "مصالحةٍ ما" بين الواقع الذي يعيشه وبين المبادئ التي يطمح إليها. يمكن القول إن نفسيّة الإنسان أشبه بوعاء مثقوب، ولا سبيل إلى سد هذه الثغرة إلا عبر إيجاد واقع موازٍ، تحكمه مبادئ يوتوبيّة، وتؤثثه مشاهد خياليّة، يتحقق من خلاله التوازن المفقود بين الإنسان وواقعه وإمكانياته ومبادئه. ولا تخلو هذه المصالحة من مفارقة الوقوع في ثنائيّة الاحتياج والخوف. لقد أوجد الإنسان الأسطورة، حتمًا، لتكون منبع خيالاته واعتقاداته وجواز عبوره من ظلمات الصراع إلى خلاص التوازن، ولكنه أبقى فيها على الخوف مكوّنًا من مكوناتها، يكاد يكون أساسيًّا، لنجد على الضفة الأخرى مفاهيم: كالعقاب والجحيم، تتربص بمن تخوّل له نفسه الانفلات من عقال الأسطورة المستحكم.

تاريخيًّا، ترافق ظهور مفهوم الأسطورة مع تشكُّل المجتمعات البدائيّة الأولى، وظهور الوعي الجمعيّ الباحث عن تفكيك أحجيات الكون من حوله، حيث كانت الحاجة إلى "عيش حقيقة ما" في ذروتها. وقد أسهم تعاقب الحضارات، وما قدمته للإنسانية من: اعتقادات دينيّة، وكتب مقدّسة، وأبطال خرجوا عن السائد، وملاحم اختلط فيها الواقع بالخيال، في بلورة هذه الأساطير وتحويلها إلى تاريخ آخر، إلى "تاريخ متنكر" كما يراها الأنثروبولوجيّ اليوناني أوهيميريوس. ولعل الأساطير لم تكن لتحظى بما حظيت به من مكانة وعمق وتأثير وصل إلى درجة التلبس برداء الدين والعلم، لولا الخيال الأدبيّ والفنيّ الذي تكفل بإخراجها في ذلك الإطار الفنتازيّ صاحب التأثير الأبرز في انتشارها وخلودها.

ولا يمكننا المرور على هذه العلاقة بين الخيال الجمعيّ، وما يحيط به من مجهول وغيبيات، دون أن تكون لنا وقفة تأملية أمام الأنماط المختلفة التي تميز تعامل هذا الخيال مع تلك الغيبيّات. فالأسطورة، من حيث إنها ترتقي بالخيال الإنسانيّ، أو يرتقي بها، إلى درجات القداسة المتصلة بعلويّة السياق، وتعقيد الأحداث والشخصيات، تختلف عن التعاطي الشعبيّ البسيط للخرافة والقصص الفلكلوريّة المتّسمة بدونيّة سياقها، والبعد عن الواقعيّة، وغياب العمق الدلاليّ. ولهذا كان الإطار الشعبيّ دائمًا الحاضنة الأبرز للخرافة، بينما كان الإطار النخبويّ هو المهد الذي نشأت فيه الأسطورة، والحلبة التي شهدت صولاتها وجولاتها. وفي حين كان عامة الناس يتحلقون حول النار ليلًا ليسمعوا قصص الجنّ، والنداهة، وأم الصبيان، شرقًا، أو قصص ذي القدم الكبيرة، ووحش لوخ نس، ومصاصي الدماء، غربًا، كانت الأساطير تحتل أمهات الكتب، ويتغنى بها الشعراء وتتطبعُ بشخصيّاتها الثقافات ومظاهر العمران والفنون.

لقد احتفى الكتّاب والشعراء بالأسطورة في أدبيّاتهم أيما احتفاء. ولعل الشعر الإغريقيّ، متمثلًا أساسًا في هوميروس صاحب "الإلياذة والأوديسا" وهسيود صاحب "ثيوجيني" (أصل الآلهة)، يبقى أطولهم في ذلك يدًا، بالنظر إلى الكم الزاخر من الأساطير المعقدة في الميثولوجيا اليونانيّة القديمة من ناحية، وشح المصادر الأدبيّة الرومانيّة والفينيقيّة والفرعونيّة، مقارنة بنظيراتها اليونانيّة من ناحية أخرى. وقد لعب الأدب الفارسي القديم أيضًا، كملحمة "الشاهنامة" للدقيقي والفردوسي، دورًا لا يقل أهميّة في تخليد الملاحم الفارسيّة والتغني بأبطالها الأسطوريين، ولعل أبرزهم جلجاميش بطل الملحمة التي تحمل اسمه. ولئن لم يحتفل الشعر العربيّ القديم بالأسطورة باعتبارها غاية رئيسية ومصدرًا للإلهام، وخلا إلا من بعض الاستحضار لبطولات ملحميّة لا ترقى إلى درجة الخوارق، أو بعض الاستخدامات المتفرقة لأساطير شعبيّة كالغول والعنقاء، فإن الشعر العربي المعاصر والحديث قد أفرد مساحة كبيرة للأسطورة في أبعادها الدينيّة والتاريخيّة والفلسفيّة، واشتغل برمزيّتها لخلق نمط شعريّ جديد، يقوم على استحضار الشخصيّة الأسطوريّة وتوظيفها لخلق الرمز في شكله المعاصر، بعيدًا عن الاستعارات والكنايات الكلاسيكيّة.

ولكن ماذا بقي من الأسطورة اليوم غير التوظيف الأدبيّ والفنيّ؟ وهل يمكن القول إنه لا يزال ثمَّ غموضٌ في الكون من شأنه استفزاز ملكات إنسان هذا العصر، وتحريضه على البحث عن مصالحةٍ ما؟ ربما كان السؤال الحقيقيّ هو: هل الوعاء لا يزال مثقوبًا كالسابق؟ يقولون إن صمود الإنسان في هذا العصر الحافل بالتقلّبات هو أسطورة في حد ذاته. ربما كان هذا نزوعًا إلى إحياء هذه الكلمة التي ذوت، في مشهد لم يعد يدهش أحدًا، فأصبحت تُخلَعُ على من يتميز على غيره في مجالات الحياة المألوفة، المترفة غالبًا، كالرياضة والفنون. لكن الثابتَ أن الأساطير كما قدمتها لنا الأنثروبولوجيا لا تعدو اليوم أن تكون هياكل عتيقة في متحف الثقافة الإنسانيّة. لقد رأى الإنسان وسمع وعرف كل شيء تقريبًا عن عالمه هذا، فهل تكون محاولاته الاستكشافية خارج هذا العالم بداية ظهور مجهول جديد، قد يوقظ الخيال الإنسانيّ الذي طال سباته، ويضعنا أمام مشهد تختلط فيه الحقائق بالغيبيّات، وتؤثثه الأساطير من جديد؟.