لقطة المصور: سعد طحيطح

رائحة الكعك في مخبز الحارة..

طعم الحليب بالزنجبيل الذي تحضره امرأة اسمها "مطرة"..

زجاجة الـ "كندا" الصاقعة في المقهى القديم..

العريش الذي كان في طرف حوشنا القديم..

الشعور الغريب عندما نتجه صوب جبال تهامة..

طعم اللبن اللاذع في حموضته..

ورائحة عسل السمر في السطول الفضية..

وأشياء أخرى، شعرت الفترة الماضية أنها تتخلى عني، كنوع من التأبين الذي لم أعرف كنهه، سوى أن هناك أشياء تذهب ولا تعود، أشياء تودّعني عندما أحاول أن أغوص في اللحظة الآنيّة، لحظة وأنا بين يدي فتاة في إحدى المقاهي المختصة بجدة، تخبرني عن نوع البن الذي يأتي من مقاطعة صغيرة من البيرو، أو أثناء الاستماع عبر البودكاست عن الطرق المثلى لممارسة اليوغا، أو عند النية في تذوق حلقات السوشي، أو خلال نقاش مع مجموعة من الأصدقاء عن أنواع السجائر الإلكترونيّة، أو خلال مسح شاشة جهاز الكندل للتأكد أن ما يحدث حقيقة، وأن هذا الشيء بديل للكتاب لكن دون رائحة، ودون مساس، أو عندما أجادل أخي الصغير عندما نريد أن نشاهد فيلمًا لكلينت ايستوود، فيُخبرني أنه ينتظر تقنية البلوري ليشاهد الفيلم، أو عندما يصدمني ضيف أتى من بعيد أنه نباتيّ!

أما الحنين الذي يداهم مثل الموس، وبصمت مهيب، فهو الفقد الذي يترك الفراغات ممتدة في المدى البعيد، رحيل الأجداد، والأصدقاء، ومن استعمروا الذاكرة، ومؤخرًا هو..

صورنا في المدينة، جلوسنا في القهوة، الذهاب معه إلى البلد لشراء السمن من عند "بن عبيد"، ثم الذهاب إلى عمارة الملكة لشراء غترة العطار، البياض الذي أحبه وتعبت أمي في المحافظة على نصوعه..

ثم محاولة وضعنا في الصورة، لبس الثوب المفرج، والعقال المقصّب، وحمل السيف الهنديّ، وأنا في المنتصف بجوار أمي التي لبست فستانًا طويلًا، وقد فردت شعرها فأصبح يباشر الأرض، ثم إعطاء التوصيات لابن الجيران الذي أتى في نحر الظهيرة من أجل التقاط الصورة الفوريّة، وتنتهي المهمة بوميض مبهج، وبكرة تخرج الصورة بيضاء، لننظر بعد ذلك للحياة تدب فيها رويدًا.. رويدًا.

ترتيبه للكتب، ونفض الغبار عنها، فحلية الأولياء يجاور الأغاني، وتاريخ الخلفاء يجاور جواهر الأدب، ثم يرتب الكاسيت، محمد رفعت بجوار عبدالباسط، ثم محمد سندي بجوار كوكب الشرق، ثم أصوات الجدات..

ثم أنا وهو وجهًا لوجه، نتحدث عن: الصحبة، والقراءة، وغرائب القزويني، وسلّامة القَس، وفروع مذهب محمد بن إدريس، والصدح بأبيات الشنفرى، ودريد، والتعجب من فروسية عمرو بن معد يكرب..

ثم الخلاف حول الخيار، والوجود، والحب، وانحيازاتنا المتطرفة، وجدالنا الناري، وخلافنا حول الصدع الأكبر، أنا وهو وجهاً لوجه ، دموعنا تنسكب في الأخدود الذي صنعناه، وحبي له، ولحريتي، والبعد الذي استغرق أكثر من حولين كاملين، حولين مترعة باليأس وتفاصيل القرب، وهو يحملني من الرمضاء، وهو يدثرني معه ببردته خوفًا عليَّ من بعوض تهامة الذي يأكل وجوهنا دون رحمة، وهو يطارد وردة من السماء ضربتها الريح، وبرد الجوار في زيارات الحمى التي لا ترحم، وصفاء الوجود أوقات نهش الحصبة، ومعرفة الأسرار والآثار التي عرفتها عندما كبرت وعرفها، وأنا لا زلت متعلقًا بثدي أمي الأيسر.

ثم وحيدًا بعد فقد، ثم هشًا أمام ذكرى صغيرة، ثم منكسرًا كندمٍ قديم..

الحنين النبيل يصقلك لتواجه الحياة من جديد، ويحاورك من أجل تشكيل الكلمات، لتكون أهلًا لكتابتها، الحنين الذي لا يجعل بينك وبين الآخرين جفوة، ولا مقت، ولا مقارنات، ولا ضغينة بين الأوقات والأجيال..

حنينك النبيل ما أجمل أن تربت عليه امرأة تحبك، تمسح ذيل الدمع، وتضع سمعها، تُصغي لوجِيب قلبك، تمسح براحتها ذكرياتك، فتُساوي تضاريس الأحزان، فلا ترى فيها عوجًا ولا أمْتا..

بقلم: طاهر الزهرانيّ - روائيّ سعوديّ