قلّما تكثّفت دلالات التجربة الإنسانيّة وأبعادها المختلفة كما فعلت عبر الحيز اللغويّ الضيّق المحصور بين الحروف القليلة لهذه الكلمة: "الشارع". المصطلح، وإن كان يعني في ظاهره الطريق الممهد الذي يؤدي مهامه الرسميّة المتمثلة في الربط والاتصال بين الأماكن، إلا أنّه يختزن بين حروفه عالمًا كاملًا من الحياة بصخبها وتقلباتها وإشكالاتها وتعاقب أطوارها. لا يكتفي الشارع بالمحافظة على رمزيّة تكاد تكون الأكثر مدعاةً للتأمل في عصرنا هذا، وإنّما يفرض نفسه عنصرًا أساسيًّا في أيّ عملية تشريحيّة تكون الحضارة الإنسانيّة محورها.

إن الشارع مفهوم جدليّ بامتياز، يحكم عناصره التناقض بين وجهين متقابلين: وجه رسميّ منمّق، ووجه لا نظاميّ عفويّ. إنّه الميدان الذي تتسابق أطراف اللعبة إلى احتلال مواقع حيويّة فيه، والذي يمثل متنفسًا ومجالًا مفتوحًا لكلّ ما لا يمكن فعله بين الجدران النظاميّة المغلقة. يُنظَرُ إلى الشارع من وجهة نظر رسميّة باعتباره الواجهة التي يتم إعدادها عمرانيًّا وهندسيًّا وخدميًّا لتستوعب النشاط الشعبيّ وتؤطره على مختلف المستويات: الاجتماعيّة، والثقافيّة، والاقتصاديّة، وحتى السياسيّة. ولا شكّ أن التطور التكنولوجيّ قد أسهم عبر مراحله المختلفة في صقل هذه الواجهة وتأثيثها بكل المرافق اللازمة من: مواصلات، وتقنيات اتصال، ومساحات للالتقاء والتفاعل. غير أن مركز الثقل الحقيقيّ غالبًا ما كان يميل نحو الجانب الآخر من الصورة، ذلك الذي يمثّل الصوت المجتمعيّ الخارج عن سيطرة المنظومة الرسميّة.

يكتسب الشارع هذه الرمزيّة الشعبيّة بفضل الارتباط الوثيق الذي نشأ بينه وبين الإنسان فردًا ومجتمعًا وثقافة. فعلى سبيل المثال يمكن القول: إنّ مصطلحًا كمصطلح "المكان" لم يعد مقتصرًا على البعد الماديّ بقدر ما انصهر في مفهوم الهُويّة من خلال نشوء طابع خاصٍّ يجمع أنماط سلوك المتفاعلين في الشارع، مقيمين وعاملين، ويتحول إلى خصائص تميز المنطقة عن غيرها. ومن ناحية أخرى فإنّ الممارسات الاجتماعيّة قد ارتبطت بالشارع بدورها، وكذلك الممارسات التعبيريّة، إذ يفرض الشارع بصمته الخاصة في طرق اللباس وأساليب الكلام، وفي اللقاءات والمقاهي والنوادي وغيرها من الأنشطة الاجتماعيّة مرورًا بالتعبير الجماعيّ عن المزاج العام، سواء أكان فرحًا أم حزنًا، وصولًا إلى الارتباط بالممارسات التعبيريّة الشعبيّة، من خلال الفنون البصريّة: كالكتابة، والرسم، والملصقات، أو فنون الأداء: كالعزف، والغناء، والرقص، حيث يلعب الشارع أحد أهمّ أدواره، إن لم يكن أهمّها، عندما ينصّب نفسه مسرحًا إنسانيًّا لا يزيل ستارةً وإنّما يزيل مساحيق التجميل عن الواجهة المصقولة، ويفسح المجال لعفويّة الإنسان لتكون لها الكلمة العليا.

وكما أن الشارع قد نجح في طرح إشكال تموقع الإنسان في مشهده الحضاريّ، وأعاد توزيع الأوراق بين المنظومة الرسميّة العتيدة وبين كل ما سواها، فإنّه ـ بوصفه فكرة قبل أن يكون ممارسة ـ يجد نفسه محلًّا للنقد والمراجعات، إذ إنّ العشوائيّة وانعدام الأمن والنظام، واتساع المساحات المجتمعيّة المظلمة، تبقى شواهد لا مناصّ منها على نوعيّة الأخطار التي قد تعصف برونق الفكرة ونبل الممارسة، إذا لم يواكب تطور فكرة الشارع تطور في جوهر الإنسان ذاته، حتى يكون قادرًا على تحمل مسؤولية ملء النصف الفارغ من الصورة. هذه الصورة التي لا تخلو برغم كلّ شيء من إيجابيات تبقى الآمال المعلقة على الشارع، سبيلًا للانعتاق من الجمود والتقولب الاجتماعيّ والثقافيّ، مشروعة. فالشارع كان دائمًا إطارًا لا غنى عنه للتحرر من القيود الفكريّة وإطلاق العنان للخيال، ومساحة إبداعيّة وقودها التبادلات بين أفراد المجتمع. وخلاصة القول هنا إنّ المجتمع المتوازن يجد نفس أمام حتميّة الإنصات إلى شارعه، باعتبارها الضامن الأكبر لصحة هذا المجتمع ولاستمراريّته، والعكس بالعكس، فتجاهل الشارع والنظر إليه على أنّه عدو أو مجرد كيان مشاغب خارج عن المنهج الرسميّ، يمكن أن يحمل في طياته معاول الهدم لتناغم هذا الكيان المجتمعيّ ولديمومته.

ولقد احتفت الثقافات المتعاقبة والمتنوعة بالشارع أيّما حفاوة، وهي معادلة تبدو بديهيّة، إذ إنّ الشارع في نهاية الأمر هو الثقافة، والثقافة هي الشارع. ولعلنا نجرؤ على القول: إنّ المثقّف الحقيقيّ الذي يعبر عن دواخل مجتمعه ويوثّق معاناته ومكنوناته، لا يكون كذلك من دون شرعيّة يستمدها أساسًا من الشارع. فمن الساحات العامّة والمنابر الشعبيّة قديمًا إلى الملتقيات والمقاهي الثقافيّة والنوادي النخبويّة، وصولًا إلى منصّات التواصل الاجتماعيّ، التي تجسد الشارع الافتراضيّ كأبهى ما يكون، حديثًا، كان لا بدّ للفنان والأديب والمفكر من حاضنة شعبيّة لإبداعه. كما أنّ الشارع نفسه كثيرًا ما مثل عنصرًا أساسيًّا في العمل الفنيّ، سواء بوصفه مرجعيّة للفكرة الإبداعية أم إطارًا لتنفيذها، ويبدو هذا واضحًا في فنون الشوارع المنتشرة في كلّ مكان، كفنون الرسم على الجدران والملصقات والكتابة الفنيّة، وفنون العزف والغناء الشعبيّ في الشوارع والساحات العامة، وحفلات الرقص الشعبيّة، والفصول المسرحيّة التي تتخذ من قارعة الطريق رَكحًا لها. وسيكون من الإجحاف إغفال البصمة الرسميّة التي لا تغيب عن هذا المشهد الفنيّ، إذ إنّ الشارع، مهما ازدحمت فيه دلالات التمرد على الجمود والثورة على الركود، يبقى ركنًا براقًا وواجهة مصقولة تستعرض الدولة من خلالها رقيّها الثقافيّ والحضاريّ، وليست المهرجانات الرسميّة والتحف المعماريّة والمرافق الترفيهيّة إلا أقلّ القليل من ذلك.

بين كونه "فترينةً" لازدهار المدينة، وضابطًا ماهرًا لإيقاع نبضها من ناحية، وكونه ساحةً خلفيّة ومسرحًا موازيًا تُلعب على ركحه كلّ الأدوار التي لم تجد في "الفترينة" مكانًا لها، من ناحية أخرى، يواصل الشارع الاضطلاع بمسؤوليّته التاريخيّة بكل اقتدار، واضعًا القطعة الناقصة من "البازل" في قلب الرقعة، لتكتمل مكونات المشهد الحضاريّ وتتناسق تفاصيله. وفي حين تزدهر اليوم علاقة الإنسان بالشارع فكريًّا وذهنيًّا وانتمائيًّا، يلوح المستقبل واعدًا بتغيّرات جذريّة من شأنها أن تحتوي الشارع في قنينة الواقع الافتراضي البارد، وتزعزع المعادلة التي ظلت صامدة إلى اليوم: الثقافة هي الشارع والشارع هو الثقافة.