الجاز في يومه العالمي بلمسة عربية

إن الحديث عن الفنّ - بكافّة أنواعه وأشكاله وتمثّلاته - يبعث في الروح نشوة: الإبداع، والتجديد، والانطلاق، نحو الآفاق الجديدة، التي تجعل الإنسان معبّرًا بصدق عن ذاته وتاريخه وأفكاره، ما يجعل المختلفين عنه ثقافيّا، أقدر على فهمه والتعاطف معه.

وفي اليوم العالمي لفن الجاز، نسلط الضوء عليه كأحد أهمّ أشكال الفنّ المعاصر، الذي ولد في وسط حقبة مظلمة، تحمل الكثير من الألم والشعور بالحسرة والتعب. ذلك الفنّ الذي لوّنته يد أفريقية، لتحكي للبشريّة، ولتروي ما مرّت به في سبيل خلاصها، ثم لتنشر في هذا العالم كمّا هائلا من الجمال والبهجة، ولتخلق فيهم - بكلماتها - حياة موازيّة، قد لا يكونوا على دراية بوجودها. وفي هذه التدوينة سنتناول بعض التجارب الأولى للجاز في المنطقة العربيّة، التي أثبتت على مرّ العصور قدرة رائعة على تعاطيها مع منتجات الحضارات الأخرى.

لا يمكن الحديث عن لحظة واحدة فارقة جعلت الإنسان العربيّ يستكشف هذا الفنَ، أو شخصيّة واحدة قدّمت هذا اللون الغنائي والموسيقى الرائعة لعالمنا العربيّ، لكن الحديث سيكون عن لحظات وشخصيّات ساهمت بشكل ملحوظ وكبير في استضافة هذا الفنِّ وصبغه بصبغة عربيّة مميزة.

في القاهرة سمع الشاب يحيى خليل إذاعة "صوت أميركا"، التي كانت تخصص ساعة كاملة من بثّها لبثّ موسيقى الجاز، تحت فقرة "ساعة الجاز"؛ حيث كانت هذه اللحظات هي لحظات ارتباطه وحبّه للجاز، الذي لوَّن حياته الموسيقيّة كلها، وجعله أحد روّادها في عالمنا العربيّ.

لينطلق يحيى لتعلم هذا الفنّ في أمريكا في عام 1957م، في الوقت الذي كانت زيارات لويس ارمسترونغ – أحد أعظم وأشهر مغنيي الجاز على الإطلاق – متكرّرة للعالم العربيّ وللقاهرة بالتحديد، في بدايات الستينات من ذات القرن، والتي التقط فيها صورته الشهيرة وهو يعزف على الآلة برفقة زوجته بالقرب من أبو الهول، هذه الزيارات التي فتحت باب العالم العربيّ ليتعرّف عن قرب، ويستمع ويستمتع بهذا اللون من الموسيقى.

تمضي الأيام ويعود يحيى إلى القاهرة ليؤسس فرقة الجاز التي يمكن اعتبارها الفرقة العربيّة الأولى للجاز والتي أسماها "رباعي القاهرة" في عام 1957، وهكذا يكمل يحيى مشواره الفني الذي ابتدأ بإعجابه بالجاز وبفرقة صغيرة في القاهرة؛ ليكتمل مشروعه هذا بالتعاون البديع الذي جمعه بصاحب الصوت الجميل، الملك النوبيّ محمد منير في ألبوم "شبابيك" عام 1981م والذي استخدم فيه الجاز بلمسة عربيّة عبقريّة، جعلته يصل إلى زخم عالي ليحقق أرقاماً تعدّ الأعلى في تاريخ مصر.

في الحقبة ذاتها كان الموسيقار صلاح رجب يتعلّم عزف الموسيقى في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد انتهاء النكسة أصبح صلاح رئيساً لقسم الموسيقى العسكريّة في الجيش المصري، أسس فرقة "جاز القاهرة" لتواصل هذه الفرقة تقديم الجاز للمستمع العربيّ بإضافات جميلة تجعله مألوفًا له بشكل أكبر.

هذا ما كان يحدث في القاهرة. وكعادة الفنّ، فهو لا يعرف الحدود، ولا يعترف بها، لتبدأ حركة فنيّة موازية في جارة مصر؛ السودان، التي قام فيها عثمان ألمو بعد شغفه بالأفلام الأمريكيّة وبالجاز الذي كان يُعزف فيها؛ وبحضور شخصيّة موسيقيّة أخرى مهمة في تاريخ الجاز في السودان؛ قاما بدمج الجاز العالمي باللمسة المحليّة الموسيقيّة، ليصبح أقرب لقلوب السودانيّين، وليلهموا بعملهم هذا مجموعات جديدة من الشباب، ليكون نتيجة هذا الإلهام تأسيس فرقة "العقارب الأربعة" والتي جاءت على نقيض فرقة "البيتلز" العالمية.

شمالًا، حيث الجبل اللبناني؛ لا يمكن أن تعبر موسيقى الجاز في العالم العربيّ دون أن يقفز إلى الذهن صوت السيدة الخالدة فيروز، وابنها الموسيقيّ العبقريّ زياد الرحباني، الذي استطاع ومن خلال صوت السيدة فيروز في أغانيها العذبة، ومن خلال مسرحيّاته – على سبيل المثال مسرحية "بالنسبة لبكرا شو"- أن يصل بالجاز إلى جماهير جديدة، أُغرمت بهذا اللون الموسيقي وارتبطت به. ولا ننسى توفيق فروخ وتجربته المهمة مع زياد والسيدة فيروز بوصفه عازفًا لآلة الساكسفون، وكيف أن هذه التجربة علّمته الكثير، لينطلق بعدها فيصبح واحدًا من أهمِّ موسيقيي الجاز في فرنسا والعالم العربي.

كانت هذه بعض التجارب الأولى، ولم تكن الأخيرة، فقد توالت تجارب الموسيقيين العرب مع الجاز، ليحقق هذا الفنّ جماهيرية عربية كبيرة، ويُكمل صنع حكايته الخاصة بنفس الروح الأصيلة للجاز.