الأميّة في المنطقة العربيّة

أرقامٌ مخيفة، ومستقبلٌ واعد

يحتفي العالم أجمع بجهوده في تعليم الكبار، بمناسبة اليوم العالميّ لمحو الأميّة، الذي يصادف الثامن من سبتمبر كل عام، وللعرب ما يقولونه في هذا الصدد؛ برغم أن هناك يومًا خاصًّا بالعالم العربيّ، هو الثامن من يناير من كل سنة.

على ضوء اليوم العالميّ لمحو الأميّة، نلقي نظرةً بانوراميّة على واقع الأميّة في الدول العربيّة، والجهود المبذولة لمحوها، وآفاق القضاء عليها نهائيًّا، حسب المؤشرات المتاحة.

النظرة الأوليّة الخاطفة على الأرقام المنشورة تنبئ عن واقع مخيف، حيث توضّح إحصائيّات المنظمة العربيّة للتربيّة والثقافة والعلوم "الألسكو"، أن معدل الأميّة نهاية 2018م وصل إلى 21 % من مجمل سكان العالم العربيّ، أي أنّ أكثر من خُمسِ العرب (حوالي 76 مليونًا) يرزحون تحت نير الأميّة، فيما يبلغ المتوسط العالميّ حسب اليونسكو 13.6%. المقارنة الأوليّة بين النسبتين توحي بوضع محرج. وتتفاقم النسبة عندما ننظر إليها من منظور جندريّ، ففي صفوف النساء تتجاوز الأميّة نسبة 25%، بينما تتناقص إلى حوالي 14% على مستوى الذكور؛ وبنظرة أخرى ـ جغرافيّة وعُمريّة ـ يتضح التباين الكبير بين المناطق، ففي حين تتراوح نسبة الأميّين الذين تتجاوز أعمارهم الخامسة عشر بين 2 و 5% في منطقة الخليج العربيّ وفلسطين، تصل النسبة في بلد مثل موريتانيا مثلًا إلى 48% من نفس الفئة العمريّة.

غير أن مقارنة هذه الأرقام مع مثيلتها في الماضي، يفتح باب التفاؤل على مصراعيه، حيث إنّه قبل خمسة عشر عامًا من الآن كانت النسبة تبلغ 35% ، مما يشير إلى أن الدول العربيّة أطلقت مبادرات وجهودًا كبيرة، للحد من هذه الظاهرة التي تعرقل مسار التنمية في كل بلد.

هناك جهود جماعيّة قامت بها جامعة الدولة العربية، والمنظمة العربية للتربيّة والثقافة والعلوم "الألسكو"؛ غير أنّها تبقى متواضعة أمام جهود كلّ دولة على حدة؛ إذ تعمل أغلب الدول العربيّة على مسارين اثنين، متوازيين ومتقاطعين في الوقت ذاته، حيث يركز المسار الأول على تشجيع التمدرس لدى الأطفال، وذلك بفتح المدارس في المناطق النائية، وإصدار قوانين تفرض إرسال الأطفال في سن معيّنة إلى المدرسة، بقوة القانون، وإعطاء أولويّة للفئات: المهمّشة، والمناطق الفقيرة، والأقل وعيًا؛ أما المسار الثاني فيركز على مبادرات لتعليم الكبار ومحو أمّيّتهم، من خلال فتح مراكز متخصصة، والتنسيق في هذا الإطار بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدنيّ.

في بلد كالمملكة العربية السعوديّة ـ مثلًا ـ حيث تبلغ نسبة الأميّة حاليًّا حوالي 5٪، أطلقت عدة مبادرات، واستراتيجيّات، وبرامج حكوميّة، بإشراف من إدارة التعليم المستمر بوزارة التعليم، من خلال مراكز "الحي المتعلم" المنتشرة في كل مدن المملكة؛ وتُفسِحُ "رؤية 2030" مساحةً كبيرة لمحاربة الأميّة وتجفيف منابعها، من خلال مبادرة "استدامة" التي تركز على فكرة التعليم مدى الحياة.

وفي مصر، والتي يعاني رُبُع سكانها ـ ممن تجاوزوا سن 15 سنة ـ من الأميّة، أطلقت سلسلة من المبادرات المجتمعيّة تحت رعاية الدولة، وبتنفيذ من المنتخبين المحليّين في كل مدينة، تهدف إلى القضاء على الأميّة نهائيًّا بحلول عام 2030، فضلًا عن مبادرة "حياة كريمة بلا أمّيّة" التابعة لوازرة التضامن الاجتماعيّ.

أما في تونس ـ حيث تبلغ نسبة الأمّيّة 18.5% حسب المعهد الوطنيّ للإحصاء التونسيّ ـ فقد ازدادت نسبة الأميّين بعد الثورة، إذ توقفت برامج تعليم الكبار، ولكن الحكومة التونسيّة أعادت تمويل مشاريع محو الأميّة منذ مطلع السنة الماضيّة.

لكل دولة عربيّة برامجها ومبادراتها الخاصة لمحاربة الأميّة، وتعليم القراءة والكتابة لأكبر عدد ممكن من الأميّين، خصوصًا من كبار السن؛ و نتائج كل تلك المبادرات الوطنيّة ستسهم ـ بلا شك ـ في خفض معدل الأميّة على عموم المنطقة العربيّة، وتتوقع منظمة اليونسكو أن تُمحى الأميّة عن العالم العربي نهائيًّا في حدود عام 2050.