الوطن.. تنوُّعٌ يُسقى بماء واحد

لوحة " زرانيق " ٢٠١٨ للتشكيلية نجلاء السليم

قصائدُ وأغانٍ ومسرحيات، وكل ما قد يخطر بأذهاننا من أشكال التعبير الإبداعيّ، مما تفتّقت عنه القريحة البشريّة عبر عصورها المختلفة، كانت دائمًا تدور حول أفكار ومفاهيم نابعة من عواطف الإنسان وأحاسيسه، مقرونة بإدراكه ووعيه الفرديّ والجمعيّ، ومكلّلة بانفعالاته وانخراطه المتهاوي فيها. إلا أن الفكرة الحاضنة لكل هذه المفاهيم والعواطف والمصطلحات، والإطار الذي تتحرك: ضمنه، ومنه، وإليه، تبقى هي الوطن بلا منازع. إن الوطن هو المفهوم الذي يشكل المرجع الأول في اللاوعي الإنسانيّ، وهو الوسادة الأولى التي يبحث عنها في كل قصصه وأشيائه، وهو الجدار الأخير الذي يسند إليه ظهره، كلما أخلت به تلك القصص والأشياء. والسؤال يطرح نفسه هنا: أيُّ مفهوم هذا الذي نجح في أن يكون اللون الوحيد الباقي عندما تتمازج كلّ الألوان الأخرى وتذوب في ماهيته المتفردة؟.



بينما ينظر كثير من الناس إلى الوطن، باعتباره ترفَ الأرض التي يسكنون عليها، أو تلك التي شهدت فصولًا من ماضيهم أو حاضرهم، يقدم هو نفسه احتياجًا أساسيًّا، يتجاوز مجرد كونه رقعة جغرافيّة، أو كيمياء اجتماعيّة، أو حتى انتماءً عقائديًّا، وإنما يقوم على مبدأ السند، والإحاطة، والاحتضان. إنّ ما يجعل الوطن وطنًا في نظر المنتمين إليه، هو تلك الثقة التي ينجح في غرسها فيهم، والتي تحوّلُ وحشة الإطار الجغرافيّ الجاف إلى ألفة المكان، وتحوّلُ لفظ الانتساب إلى مفهوم الانتماء، وصولًا إلى مرتبة الولاء التي ترسم حدًّا فاصلًا بين الوطن وكل ما سواه.



تطوُّر مفهوم الوطن عبر الأزمنة كان حتميًّا، بالنظر إلى تنامي الوعي الإنسانيّ، وراديكاليّة التقلبات التي طرأت على كلّ جوانب حياته: جغرافيًّا، وسياسيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وثقافيًّا. إذ خرج هذا المفهوم من حيزه الجغرافيّ المحدود بخريطة المكان، وامتد ليشمل مقومات حضاريّة أكثر رحابة. وإذا كان الوطن يساوي في الماضي مفهومًا ماديًّا قوامه الأرض، فإنّه أصبح اليوم فكرة قبل أن يكون مادة. تتبلور هذه الفكرة اجتماعيًّا، وتترسّخ في وعي جمعيٍّ لا يكتفي بأن يشمل أولئك الذي يتشاركون نفس الأرض، بل يتجاوزهم إلى شريحة أكثر اتساعًا. هل الوطن هو القبيلة، أم المنطقة، أم الأرض، أم الدولة ؟ أم لعله شيء أكبر من كلِّ ذلك ؟ يحيلنا هذا التساؤل إلى التأمّل في الجانب السياسيّ لمفهوم الوطن، وإلى ثنائيّة الوطن والدولة، أو لعلها ثلاثيّة: الوطن، والقوميّة، والدولة، حيث تخوض المواطنة مخاطر التشتت دون غطاء سياسيٍّ يضيف إلى اللوحة درجاتها اللونيّة الضروريّة، للخروج بمشهد الوطن كما ينبغي له أن يكون.



ولا شكّ أنّ العامل الاقتصاديّ قد ترك بدوره أثرًا كبيرًا في تطور فكرة الوطن والانتماء إليه. كثيرًا ما اختُزِلَ مفهوم الوطنيّة ـ لحقبات طويلة قديمًا ـ في شعور الانتماء إلى إقطاعات النبلاء وأصحاب الأرض والثروات، الذين تقاسموا اقتصادات زراعيّة مصغرة، ملأت في إدراك المنتسبين إليها الفراغ المرتبط بالوطن. ولو نظرنا على الجانب الآخر من التاريخ إلى حقبة الثورة الصناعيّة، وظهور نظريّات العمل التسلسليّ والرأسماليّة وسلاسل الإنتاج، لقلنا إنّ الدولار قد أصبح هو الوطن بالنسبة لهؤلاء، فحيثما كانت فرص العمل والتدفقات النقديّة فثَمَّ الوطن. وهذا يرجع بنا إلى أهمية مبدأ الثقة والاحتضان، الذي بفضله يخلع الإنسان مفهوم الوطن على أي كيان يُشبع بطنه ويمنحه إمكانيّة الاستقرار. ويبدو العالم اليوم متأرجحًا، بين عولمةٍ تبشّر بذوبان مفهوم الوطن في أتون الاقتصاد الكونيّ والثقافة الواحدة، وبين تنامي نزعات قوميّة تسير به في الاتجاه المعاكس.



يمكن القول إن الوطن والوطنيّة ـ في نهاية الأمر ـ يعتمدان على مجموعة من قيم الأخذ والعطاء التي ـ متى تحققت ـ أرست دعائمهما على أرض الواقع. ويبقى النموذج السعوديّ أحد أكثر نماذج هذه العلاقة إشراقًا، حيث يقوم مفهوم الوطن على ثقة متبادلة بين المنتسبين إليه من ناحية، وبين منظومة الحقوق والواجبات والمواطَنة التي ترعاهم من ناحية أخرى. إن المشهد المواطنيّ السعوديّ لهو مشهد متفرّد، بتوفّقه إلى صهر السياقات: التاريخيّة، والجغرافيّة، والمجتمعيّة، والثقافيّة، تحت مظلة سعوديّة واحدة، حيث الوطن والأرض والأمة مترادفات تُسقى بماء واحد. تتنوّع الثقافات، وتختلف التضاريس على هذه الأرض، لكن توحيدها تحت راية واحدة، وسياسة موحّدة، كان الشيء الوحيد الذي يفصل بين الخريطة وبين أن تكون وطنًا. إنّ الانصهار الحقيقيّ بين مقومات الوطن، هو ذلك الذي يحيل لا وعيك ـ إذا استحضرت أحد عناصره ـ إلى استحضار بقية العناصر لا شعوريًّا. العلم الأخضر، الخريطة، المعالم المقدّسة، والأثريّة، والطبيعيّة، رموز الوطن، البادية والأصالة، مصادر الطاقة، كلها تتداعى إلى الذهن بمجرد استحضار ماهيتها، أو استجلاب دلالاتها.



ويُعَدُّ اليوم الوطنيُّ السعوديُّ أحد أبرز أشكال الاحتفاء بالوطن فكرةً وممارسة. ويحمل بين طياته مضامين المواطنة، المرتكزة على ثنائية الأخذ والعطاء، والحقوق والواجبات، والثقة والاحتضان المتبادلين. لا نبالغ إذا قلنا إنّ موسم اليوم الوطنيّ هو صورة مصغّرة للوطن، بمفهومه العميق والواسع في آن واحد، إذ يجسّد في احتضانه لكلِّ فئات المجتمع السعوديّ وأطيافه، وفي تغلغله داخل الهُويّة السعوديّة، وملامسته لأعمق مكوناتها، كلّ القيم التي عليها تقوم فكرة الوطن، في الإدراك الفرديّ والجماعيّ، ويستدعي إلى الذهن مشاعر الانتماء إليه والولاء له. لا شكّ أنّ هذه الأيام القليلة في عددها، الكثيرة في تكثف مضمونها، هي مناسبة لتسليط الضوء على قيم الثقة والعناية، التي تشكل روح الشعور الوطنيّ السعوديّ، ورفعها من مستوى الممارسة اليومية إلى صدارة المشهد، ولضخ دماء متجددة في جسد الشعور الوطنيّ السعوديّ خاصة، والعربيّ والإسلاميّ عامة، بما تهيأ للمملكة من أسباب الإلهام والتأثير والريادة.



يقف مفهوم الوطن اليوم أمام تحدّيات كبرى، تفرضها التغيّرات: الاقتصاديّة، والسياسيّة، والفكريّة، التي تأخذ العالم إلى اتجاهات ماديّة لا مكان فيها لقيم الثقة المتبادلة، أو لاعتبارات المواطنة والوطنيّة. وتكاد فكرة الوطن تتحول إلى مصطلح "المنظومة" البارد، حيث يصطف المنتسبون بوصفهم عناصر يتم تحديد انتمائها بمعادلات رياضيّة وبرمجيّة. لقد تحول الوطن اليوم من حضن دافئ لأبنائه، إلى خط دفاع أخير عن إنسانيّة الإنسان وقيمه، حيث يلعب الانتماء والولاء أهم وأخطر أدوارهما، وحيث الهُويّة الأصيلة، والانصهار بين أطيافه، والانسجام بين مكوناته، هي صمام الأمان، وأهم ركائز ديمومة الوطن، وسرمديّته في الوجدان والإدراك.