الهجرة النبويّة الشريفة:

الرحلة التي غيّرت وجه الأرض


إنَّ التاريخَ بعد الهجرة النبويّة الشريفة لا يُشبه التاريخَ بعدها، والعالمينِ بعدها وقبلها عالمانِ مختلفانِ كليًّا؛ إنّها نقطة تحول عمّا قبلها، وتأسيسٌ لما بعدها، فمنذ أن حمل الرسول الكريم همَّ البشريّة وغادر مكة مهاجرًا في اتجاه يثرب، بدأت أولى خطوات رحلة التغيير الإيجابيّ للعالم، تلك الرحلة التي ما زال مسارها متواصلًا حتى يوم الناس هذا.

هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم حدث تاريخيٌّ بالغُ التأثير في مسار البشر عبر العصور، فالهجرة هي الفعل الذي يمكن تاريخيًّا تصنيفه بدايةً لرحلة الإسلام نحو إثبات القدم، وتجاوز أزمة الوجود التي رافقته في سنواته الأولى؛ استغرقت الرحلة ثمانيّة أيام فعليًّا، ما بين مكة والمدينة، ما بين غار ثورٍ ومسجد قباء حيث أناخت القصواء في محطتها الأخيرة، إلا أن الرحلة لم تنتهِ بعدُ منذ بدأت، إنّها رحلة

متواصلة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

كان ذلك السفر الملهم مغامرة كبيرة، يستحق كلُّ تفصيل من تفاصيلها الوقوف عنده مليا والتأمل في دلالته؛ بدءًا بمغادرة محمد المصطفى لبيته المحروس بعناية من شبان قريش المتربصين به الدوائر، تاركًا عَلِيًّا على فراشه، مرورًا ببيت رفيق الرحلة، ثاني اثنين، أبي بكر الصديق، مرورًا بغار ثور، مرورًا بمعجزات الطريق

التي لا تحصى، وصولًا إلى "طلع البدر علينا"، ومشارف يثرب، ولقاء الأحبة، وبداية التأسيس الفعلي.

كثيرة هي معجزات الرسول الكريم ومتعدّدة، ولكنّنا سنقف قليلًا عند معجزة التغيير، التغيير الشامل الذي بُنِي على فكرة، والفكرة كبرت وتشعبت و فاء إلى ظلها الناس من كل المشارب؛ ليتركوا خلافاتهم

واختلافاتهم جانبا ويتقاسموا الإيمان بها.

لقد بدأ التغيير الشامل من اسم المدنية التي احتضنت الخطوط العريضة لهذا التغيير، إذ تخلت عن اسمها التاريخيّ لتتسمى بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وخلص إلى تغيير جذريّ في نمط التفكير السائد

نحو عالم جديد، تحكمه المُثُل، وتؤطره الأخلاق، ويُسيّره الوحي.

ضرب التغيير عميقًا في العقليّات والعادات المتوارثة جيلًا بعد جيل، فطال هذا التغيير الأنساقَ الاجتماعيّة المتجذّرة، وخلخلَ تراتبيّة المجتمع التي كانت تقوم على الظلم ومنطق القوة واستشرف بناءَ مجتمع إسلاميّ متماسك، يقف على ثنائيّة العبادة والعمل، وبناء دولة عدالةٍ وقوانين مدنيّة، ونظم صارمة في مجتمع بدويّ لم يألف النظام.

ثم إنّ الهجرة كانت بدايةَ انتصارات عسكريّة متتالية، أرست دعائم دولة الإسلام، ورسخت وجودها الفعليّ وتوسعها في كلّ الأرجاء، بما في ذلك استعادة مكة، التي ولد فيها الإسلام وبدأ فيها الوحي، وغادرها المسلمون هاربين بدينهم وإيمانهم، ليعودوا إليها فاتحين بقيادة النبي محمدٍ في رمضانِ العامِ الثامن من

هجرتهم المباركة.

بدأ التغيير الإيجابي للإنسان منذ الهجرة النبويّة الشريفة، وما زال التغيير مستمرًا، ما زالت آثار تلك الخطى التي قُطعت في سبيل إعلاء كلمة الله تمارسُ فعلها في جعل العالم مكانًا أفضل، وفي جعل الإنسان، خليفة الله في الأرض، قادرًا على مواصلة العمارة التي كلفه الخالق بها.

مليار ونصف من المؤمنين بالرسالة المحمديّة هم نتاج رحلة التغيير تلك، يعشون حاليًّا بعد حوالي أربعة

عشر قرنا ونصف، يعمرون أرض الله، ويرفعون الآذان من المساجد والمآذن في كل شبر من الأرض، ويؤرّخون لكلّ شيء في حياتهم بذلك اليوم المشهود، هجرة الرسول وهجرة البذور الأولى.