ملفُّ العدد

الفرح: أرصفة مشرقة في موانئ التناقضات

لقطة من موسم السودة التقطها المصور ظافر الشهري

يشقّ الإنسان طريقه في الحياة متنقِّلًا باستمرار من محطة إلى أخرى، تتدافعه الظروف، وتتجاذبه الغايات، وبين قوى الدفع والجذب تكمن طاقات تنبع من العاطفة، وتؤثر على هذه الرحلة، وترسم أهم محطاتها بشكل لا شكّ فيه. ينظر أكثر الناس إلى الحياة باعتبارها طريقًا يحملنا من نقطة بداية إلى نقطة نهاية، والسؤال هنا: هل يكفي حقًا حصر هذا الطريق - بكل تلك الطاقات والتقلّبات - في مسار تحكمه فقط أبعاد الزمان والمكان؟ إن لِطاقة العاطفة - إيجابيّةً كانت أم سلبيّةً - تأثيرًا جذريًّا على سيرورة الحياة، يجعلها جديرة بأن تكون بعدًا خامسًا لها، تتهيكل على أساسه بنيتها وتتشكل معالمها، ولا شكّ أن ثنائيّة الفرح والحزن تشكل المحطات الأبرز في ذلك الطريق.

تتميز عاطفة الفرح بأنها الأكثر واقعيّة من بين العواطف الإيجابيّة عند الإنسان. يفرق عالم الاجتماع "فريديريك لونوار" بين مصطلحات قد تبدو للوهلة الأولى مترادفة المعنى: الفرح، والمتعة، والسعادة. إذ يرى أن الفرح عاطفة أعمق من المتعة، وأكثر واقعيةً وتحديدًا من السعادة. بتعبير آخر يمكن القول إن السعادة تُزرَع والمتعة تُلتَقَط، أما الفرح فيُقطَف. بهذا اللعب على أوتار اللغة أمكن لنا أن ندرك تفرد الفرح بكونه الشعور الأكثر قدرة على رسم مسارات الحياة في لحظة بعينها، دون السقوط في فخّ المتعة الزائلة، أو الدخول في متاهة السعادة المنشودة. من ناحيته يذهب الفيلسوف البرتغالي "سبينوزا"، في تعمقه في سيكولوجية الفرح، إلى محوريّة البحث عن الإنجاز، سواء بالمحافظة على الوجود أو بتطويره، فيقول في كتابه "الأخلاق" : "كل شيء يسعى إلى المحافظة على وجوده اعتمادًا على قوته في الوجود". وهذا يوصلنا إلى أنّ كل ما يدعم فينا هذه المثابرة فهو يثير عاطفة الفرح، وكلَّ ما يعيقها يثير عاطفة الحزن.

هذا التناول الفلسفيّ لثنائيّة الحزن والفرح يطرح فينا أسئلة مصيريّة تتعلق بقدرتنا على الشعور بالفرح، الذي يمثل طاقة لحظيّة، مرتبطة بالحاضر وخاضعة لتجاذبات الماضي والمستقبل، بل وخاضعة كذلك لتجاذبات هذه الثنائية نفسها، من باب أنّه لا بدّ من الأسود لتمييز الأبيض، ولا بد من الحزن لتمييز الفرح واستشعاره. إن هاتين العاطفتين لَتجتاحان النفس البشريّة في تعاقب "سيزيفيّ" جدير بالتأمل، حتى لَيمكن تشبيه الفرح بأرصفة مشرقةً، تأوي إليها مراكب الحياة، في خضم الموانئ المعتمة على طول الطريق، فقط لتقتبس منها قبسات من الطاقة الإيجابيّة تغير بها من سيرورتها.

بيد أنّ عاطفة الفرح لا تبدو عسيرة المنال إلى الحدّ الذي يمنع تحويلها إلى طقس منتظم، ولا تبدو كذلك حكرًا على فئة معينة كمًّا أو كيفًا. بل إنّنا نميّز مستويات متعددة للفرح، من الفرحة الفرديّة البسيطة، إلى مظاهر الفرح الجماعيّ الذي لا يخلو منه مجتمع قديمًا أو حديثًا، ويظهر خاصة في المهرجانات الشعبيّة والاحتفالات التي ترافق النشاطات الجماعيّة: كحفلات الزفاف، ومواسم الزراعة والحصاد وغيرها، وصولًا إلى الاحتفاليّات الرسميّة والمهرجانات الثقافيّة التي ترعاها الدول وتُحوّلُ من خلالها عاطفة الفرح إلى صناعة وطنيّة ومنهج رسميّ يعمم على الأفراد والمجتمعات. ولعل هذا ما يقودنا إلى صنفين من الفرح: فرح مصنوع، له: آليات، وضوابط، ومواعيد ثابتة، ومظاهر متكررة، وربما أزياء موحدة يتم تجهيزها لليوم الموعود الذي تنطلق فيه الأفراح بضغطة زر، وفرح تلقائي بسيط في صورته البكر، خارج عن السيطرة، ونابع من النجاحات العابرة في التعامل مع الموجود، كما يرى "سبينوزا". ولئن كانت الفرحة الأولى، المصنوعة، أكثر ثباتًا وديمومة، فإنّ الفرحة التلقائيّة تبقى الأكبر نفاذا إلى جوهر السعادة، والأكثر وصولًا بالإنسان إلى درجات عالية من الرضا. ربما تختار السفينة أن ترسو في مرافئ معروفة وفق جداول منتظمة تُمَثّل لها أمانًا رتيبًا باردًا، لكن الوصول إلى المرافئ المشرقة بعد طول سفر بين العتمات والعواصف له طعم هو الأجدر بأن نقرنه بمصطلح الفرح.

وبرغم هذه المعادلة الصعبة، التي تحكم على عاطفة الفرح بالتلقائيّة، وربما العشوائيّة أحيانًا، فإنّنا نلمس اجتهادات تتطور يومًا بعد يوم، تسعى الدول من خلالها، عبر حكوماتها أو عبر هيئاتها الرسميّة وغير الرسميّة، إلى الاشتغال على هذه العاطفة سعيًا إلى إضفاء أجواء من التلقائيّة، وحتى الحميميّة عليها. ولعل مواكب العيد التي خرجت من مركز "إثراء" لتحمل الفرح إلى شوارع الظهران وبيوتها، تمثل تجسيدًا عمليًّا لمدى إمكانيّة تطويع هذه العاطفة المتمنعة، وإدخالها إلى منظومة إنتاج وتعليب، لا تبعد كثيرًا في كفاءتها عن نظيرتها التلقائيّة.

ولا تخلو مجتمعات العالم وثقافاته المختلفة من مظاهر تصبّ في نفس السياق، مع اختلافات متفاوتة في درجة النفاذ إلى عمق العاطفة. فالمهرجانات والكرنفالات الموسميّة، وحتى التظاهرات الرياضيّة والثقافيّة، كلُّ هذه الاحتفاليات يمكن اعتبارها مناسبات، نجحت في خلق توليفة تنصهر فيها الأطياف المختلفة من أفراد ومجتمعات، ويُقدّم فيها الفرح مادةً استهلاكيّة، تحفّ بها سلاسل الإنتاج والتسويق، ويُحكم فيها على المعادلة بالتغير ولو شكليّا. واليوم تقف عاطفة الفرح، كغيرها من العواطف الإنسانيّة، موقف المترقب لما ستأتي به الأيّام القادمة، التي تعدنا بمجتمعات جديدة مؤتمتة تتحول فيها العواطف والمشاعر إلى لوجستيات ومنظومات مسبقة البرمجة. وحقّ لنا أن نتساءل بترقّب: هل ما زال هناك مجال للفرحة كما عرفها الفلاسفة، وكما أسهب في التغنّي بها الأدباء والفنانون، وكما احتفى بها الناس في بساطتهم التي توشك أن تصبح يومًا ذكريات من الماضي؟