الفنان السعوديّ الشاب عبدالرحمن النغيمشي، فنان مفاهيمي، قدم أعمالًا بصريّة وتشكيليّة بارعة في الشارع، يدمج خلالها العرض الأدائيّ مع فنّ مبتكر لكتابة الحروف، بطريقة تعيد استكناه روح الحرف العربيّ وإظهار جماليّاته.

قدّم خلال تجربته عروض أداء حيٍّ مع أنغام موسيقيّة من الثقافة المحليّة والعالميّة، وفي تسليط الضوء على مرحلة رسم ونحت الحروف، وبأسلوبه الفنيّ حاول المزج بين الحروف والعرض الحرّ، والرسالة المتوخاة من وراء إبراز جمال الحركة الديناميكيّة بين هندسة الحروف وجسم الإنسان.

الخط بالنسبة له أداة يستخدمها في أعماله المكونة من طبقات متعددة، والحرف واحد منها وربما أهمها.

يقول النغيمشي "أنا مؤمن بعصرنة الحرف العربيّ، لأنّه لم يصل إلى هذا المستوى من الجمال والإبداع إلا بالتجربة والممارسة وطرح الجديد، وجميع أنواع الخطوط العربية (الثلث، والديوان، والنسخ والكوفي) جاءت تطويرًا لجماليات الحرف.

كانت لدي رغبة وسعي في تثبيت قواعد الحرف العربيّ بوصفه أسلوبًا، وتقديم شيء جديد يستمر من خلاله تطوير وجمال هذا الحرف.

وفي التجربة لا يوجد خطأ، بل ربما نتج من المحاولات عمل فنيّ وخلق تجربة فنيّة جديدة".

متكئًا على خلفيّته الشخصيّة في الفنّ بوصفه مصممًا، وبخبرة تصل لسبعة عشر عامًا في صناعة العلامات، الأمر الذي ترك تأثيرًا واضحًا عليه، من ناحية الطرح وتقديم التجربة الفنيّة التي يعمل عليها، باعتبار الخط واحدًا من الطبقات التي يقدمها ضمن العرض الأدائيّ في أعماله.

يقول النغيمشي "أحاول أن أبرز الحركة الكامنة في الحروف، وأتواصل خلال العمل مع روح كلّ حرف، ومفهوم الكلمة المكتوبة في العمل ودلالتها، للوصول إلى الشكل النهائيّ والمغزى من ورائه".

يضيف "أفكر دائمًا في مفهوم التطوير بالتجربة، الحرف على سبيل المثال بوصفه مادة فنيّة، بتجربة ابتكار شكل جديد مع المحافظة على هيكل الحرف، لأنّ الحرف بشكل عام - في أيّ لغة - له دورة حياة كاملة، وشكل خارجيّ، مهمتي هي أن أحافظ على هيكل الحرف، وأحاول تقديم تجربتي في بحث الحرف ورسمه".

كانت بداياته الفنيّة من الشارع، إذ كان في هذه المرحلة يبحث عن أماكن ضخمة ومفتوحة، باستخدام أدواته الاستهلاكيّة لكن غير التقليديّة في المجال الفنيّ مثل (المكنسة ورذّاذ الطلاء) بدلًا عن الفرشاة، وهو ما يحتم البحث عن مثل هذه الأماكن الواسعة.

كان الهدف بالنسبة له هو تصوير الحرف أثناء الرسم، وإبراز الحرف خلال مراحل حياته، من منطلق إيمانه بأنّ الحرف له مرحلتان: هما الحياة والموت، وحياته تكون في مشوار رسمه، بينما يموت بمجرد الانتهاء من كتابته، لأنّ حركته أجمل بمراحل من كونه جامدًا، ومنتهيًا، ومتوقفًا.

ينتمي النغيمشي إلى الفنّ المفاهيميّ، ويعتمد على الخطّ أداةً في التجربة الفنيّة الكاملة التي يقدمها، من جهة دلالته وموضوعه وأسلوبه وطرحه، ويعتقد أن الثقافة والمكونات المحليّة سخيّة بالفرص والمحتوى الذي يصلح أن يكون ذخيرة لتعاطي أشكال مختلفة من الفنّ المفاهيميّ، بما يقدم طرحًا جديدًا ومبتكرًا ومستقطبًا للدهشة.

وحسب رأيه "يعود هذا إلى الفنان نفسه، باستخدامه الأدوات وفحص المكونات المحليّة في محيطه، وبكلّ ما تدّخره من حكايات وإلهام وفضاء مفتوح وخصب للإنتاج والطرح الفنيّ".

يضيف "أنا متفائل بالمرحلة المقبلة في القطاع الثقافيّ السعوديّ، نحن نعيش ما يشبه فرصة متاحة للجميع، لأنّ كل إنسان لديه ما يقدمه ويفيد منه بملكاته الفنيّة".

وعن استخدامه لأدوات مختلفة مثل المكنسة والممسحة وفرشاة الطلاء، يقول "الأغلب ينظر إلى أدوات الاستعمال الفنيّ بشكل تبجيليّ لا يمكن تجاوزه والتخلي عنه، بالنسبة لي أركز على جودة ومعنى ومحتوى العمل الذي أقدمه بغض النظر عن المواد المستخدمة في تنفيذه، لأنّ تفاوت المواد - من ناحية سعرها خاصة - لا يؤثر عمليًّا في جودة الفكرة الثريّة والعمل الفنيّ الثمين".

منذ سبع سنوات يتبع النغيمشي حياة التجرد، ولذلك تأثيره بشكل إيجابيّ على جودة تركيزه على التجربة الفنية التي يخوضها، بمنجاة من مشتتات الحياة.

يعيش في شقته الخالية إلا من مقعد صغير يتسع لجلوسه ونومه معًا، وشاشة التلفزيون التي تضمن الحد الأدنى من اتصاله بالعالم الخارجي.

حتى على مستوى الاستهلاك الشخصيّ لا يسرف في مشترياته بأكثر من حاجته، سبع قطع من الملابس فقط يتناوب ارتداءها خلال أيام الأسبوع، وإذا اضطر لشراء جديد من الأدوات والمقتنيات يتخلص من القطعة السابقة بالتبرع أو البيع.

حتى الأدوات التي يستخدمها في أعماله، يستعجل التخلص منها بمجرد تنفيذ العمل والانتهاء منه، يعطيه هذا مستوى عاليًا من الصفاء الذهني والتركيز الكبير على المشروع الفني الذي يشتغل على تفاصيله والمغزى من ورائه.