كانت صناعة صورة البلد خارجيًا، من أهم الأهداف التي تضعها الدول على عاتقها عبر العصور؛ وإن كانت الدبلوماسية هي أبرز الطرق لتحقيق ذلك قديمًا، فضلاً عن الإنتاج الأدبي الذي يمجّد البلدان ويقدمها للآخر بصورتها الأجمل والأنقى، فإن الدول في عصرنا الحاضر تصنع الصورة التي تُريد عن طريق الإعلام، من خلال إنتاجٍ مكتوب وسمعي وبصري، يَعبر الحدود إلى الآخرين في عقر دارهم. تستثمر الدولة الحديثة في صناعة المحتوى دعمًا للاقتصاد والسياحة، وترويجًا لصورة جميلة، وسعيًا للهيمنة الثقافية في عصر العولمة هذا.

صدَّرت الولايات المتحدة الأمريكية للعالم ذوقها الموسيقى، بدايةً بالبلوز، ثم الجاز ثم الروك لاحقًا، والهيب هوب في نهاية المطاف، واستطاعت هذه الأنماط الموسيقية القادمة من أزقة وحواري الأحياء الشعبية الأمريكية أن تغزو كل البيوت على المعمورة، وتخلق أجيالاً متلاحقة تربّت عليها مع اختلاف الفترات الزمنية. بفضل صناعة هذا المحتوى وتصديره وإشاعته تحوّل من ثقافة محلية، إلى نمط ثقافي ممارس في كل بقاع العالم.

الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدول في العالم خبرة في صناعة المحتوى، ليس فقط عبر الموسيقى، لكن أيضاً عبر السينما والتلفزيون، وعبر الإنترنت في هذا العالم الذي تسيّره الخوارزميات العنكبوتية. أفلام هوليوود غزت العالم وغدت رافدًا ثقافيًا واقتصاديًا يدرّ أموالاً طائلة، وسمعة حسنة، ويدخل كل بيتٍ حاملاً جزءًا من الثقافة الأمريكية.

أمريكا لم تهيمن اقتصاديًا فقط وإنما هيمنت ثقافيًا ووجدانيًا، لأنها استثمرت في الحلم الأمريكي وصدرته معلبًا في قوالب فنية وإعلامية وثقافية إلى كل البشر على الكوكب.

يُمكننا أن نستحضر التجربة اليابانية أيضا، فهي تجربة مختلفة جدا. بعد تجاوز مشاكل وتعثرات الحرب العالمية الثانية، والتعافي من ويلاتها، استخدمت اليابان القوة الناعمة الثقافية بُغية تصدير صورة الدولة، وكان سلاحها الأقوى في هذا المجال هو الإنمي والمجلات الجميلة الكوميدية المعروفة بالمانجا، كما أن ثورة "الكاوايي"، أو الشخصيات الكرتونية هي التي قدّمت اليابان كشعب لطيف له ذوقه الخاص والمختلف في اللباس والموضة والأدب والفن.

وقفت الدولة بكل ثقلها ممثلة في وزارة الخارجية، ومؤسسة اليابان، لترجمة هذه الأفلام والمسلسلات الكرتونية إلى جميع لغات العالم، وموّلت عرضها والترويج لها في كل الدول، حتى تُرسّخ صورة منمقة عن اليابان، وتقدم شعبها وتراثها وحاضرها، بأسلوب جذاب ومختلف، وقابل للوصول والتغلغل في كل الشعوب على اختلاف ثقافاتها. ووصل الأمر باليابان إلى إطلاق مبادرات ومهرجانات ومعارض في إطار ما سمته اليابان الكول (cool japan)

وتصرف الدولة ببذخ على إنتاج وتوزيع وترجمة كل الوسائط الإعلامية والأدبية والفنية، حتى تبقى اليابان في أذهان العالم دولة جميلة، ومثالاً على الطيبة واللطف.. استثمرت الحكومة اليابانية مليارات الدولارات من أجل أن يُحبها الجميع، وأحبها الجميع.

عربيًا ربما لا نُجانب الصواب إذا قلنا إن مصر هي الدولة العربية الأكثر حضورًا في المشهد، عندما نتحدث عن صناعة المحتوى. أغلب الناطقين بالعربية، وحتى من يتعلموها من الأجانب، يعرفون جيدًا اللهجة المصرية والثقافة المصرية، وذلك تجلٍّ حتمي من تجليات انتشار الأغاني والسينما والمسلسلات؛ فالإنتاج السمعي البصري المصري ظل مهيمنًا لعقود من الزمن، فضلا عن الإنتاج الأدبي من روايات ومسرحيات وقصص ومجلات تعبر كل الحدود العربية. حُملت الثقافة المصرية إلى العالم بصوت أم كلثوم وعبد الحليم وأفلام عمر الشريف وفاتن حمامة ومؤلفات نجيب محفوظ.

في المملكة العربية السعودية يقدَّم الآن محتوى سعودي خالص عبر الإنترنت، خصوصًا من خلال أسماء سعودية وضعت بصمتها على اليوتيوب، وحققت نسب مشاهدات عالية، وكسرت قنواتها حواجز المليون متابع وملايين المشاهدات؛ كما لا يخفى الحضور السعودي اللافت عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وسنابشات وانستقرام؛ وظهور منصات ثقافية متنوعة أصبحت تنافس في السوق الثقافي العربي الإلكتروني. كما يؤدي المخرجون السعوديون أدوارًا مهمة في صناعة صورة السعودية من خلال صناعة المحتوى السينمائي والدعائي، وسبق كل ذلك حضور الشعراء والروائيين السعوديين من خلال إنتاجهم الإبداعي المتواصل. وقد لاقت كل هذه الجهود دعما حكوميًا ومؤسساتيًا سعوديًا كبيرًا.

ومع اكتمال النضج وتراكم التجربة أصبح الكثير من هذه الجهود ترتكز على منهجيات ودراسات أكثر تقدمًا واختصاصًا مما جعل العديد من الشركات الخاصة ورؤوس الأموال تلتفت إليها باعتبارها مركزًا ناميًا في مجال صناعة وتطوير الأعمال الإلكترونية، وهذا يُساهم بشكل كبير في تقديم صورة السعودية الجديدة والمختلفة إلى العالم.