في ساعة الأرض.. يكاد زيتها يضيء



ساعة الأرض هو حدث عالمي يحدث في السبت الأخير من مارس كل عام، يتضامن فيه العالم مع كوكبنا الجميل فيطفئون أضواءهم ويستبدلونها بالشموع.

والمحافظة على الأرض والبيئة هي من الأساسيات المهمة لمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي "إثراء" والذي حاز مبناه المميز على شهادة LEED الذهبية لريادته في التصميم البيئي وتصميم الطاقة، وهي درجة رفيعة في التصميم المستدام.


واحتفالاً بساعة الأرض وسعياً لنشر الوعي، سنتناول قصة المصباح الزجاجي الذي يحمل اسم "يكاد زيتها يضيء" الموجود في معرض الجمال والهوية بإثراء.

يعود تاريخ هذا المصباح إلى حوالي 700 سنة، وصُنع إما في القاهرة أو دمشق بأمر من الأمير شيخو - الذي كان شخصية نافذة ومعروفة في القرن الرابع عشر ميلادي في القاهرة كما يتضح لنا من النقش الموجود أسفل عنق المصباح. ويرجح أنه تم استخدام المصباح إما في مسجد بناه الأمير شيخو أو في مدرسة أمر بصُنعها والمبنيان متجاوران في القاهرة ويشكلان جزءًا من ذات المجمع ومازال هذان المبنيان موجودان في القاهرة حتى يومنا هذا، كمثالين رائعين على الفن المعماري في العصر المملوكي.
كان الأمير شيخو شخصية مهمة في القاهرة، فقد كان "الأمير العظيم"، أي بمثابة وزير وزراء، وهو أول من حمل هذا اللقب في الحقيقة. شيخو الذي كان "مملوكًا" في البداية، أي جندياً خادماً، ثم ارتقى في المراتب العسكرية وعلت مكانته في المجتمع المدني حتى أصبح أميرًا رفيع المقام.
ويعتقد أن معظم هذه المصابيح صنعت من قبل المماليك في عصر الدولة المملوكية والتي حكمت مصر وسوريا بين 1250 – 1517. وتعتبر المصابيح المصقولة والمطلية كهذا المصباح رمزاً للماليك. وطريقة تصنيع هذه المصابيح كانت تتطلب نحت تفاصيله المميزة أثناء نفخ الزجاج وهو حار على الأنبوب. كما تتميز هذه المصابيح بما يسمى "غلاف شفة" وهو الحافة المستوية المستديرة حول فتحة الوعاء. أما الزخارف الملونة بالأزرق والأحمر والأسود فهي من طلاء المينا بالإضافة لطلائها بالذهب.
ويعتقد أن صانعي الزجاج كانوا على الأرجح حرفيين أصولهم من البصرة التي تركوها هربًا من مجزرة المغول عندما استولوا على بغداد في عام 1258 وقتلوا ما يقارب من مليون شخص، وعاثوا دمارًا في الحرث والنسل.
يثير تاريخ هذا الأسلوب في تصنيع الزجاج الكثير من الاهتمام، حيث يُعتقد أن مهارات نفخ الزجاج المتقدمة نشأت في سوريا، ولكن بعد ذلك ارتحل العديد من الحرفيين الموهوبين إلى ضواحي بغداد والبصرة بسبب أهمية بغداد في العالم الإسلامي آنذاك، وأصبحت البصرة مركزًا متميزًا في صنع الزجاج.
ولكن بعد مذبحة المغول، نقل العديد من الحرفيين مهاراتهم الخاصة في نفخ الزجاج وتلوينه وترصيعه بالذهب إلى العديد من المدن، منها القاهرة ودمشق، وكانت تصميمات المصابيح في تلك الفترة متأثرة بفن شرق آسيا، حيث احتوت العديد منها على تصميمات زهور مستوحاة من الأعمال الصينية.
ويمكنكم رؤية آيات من سورة النور منقوشة على المصباح:
بسم الله الرحمن الرحيم
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

كما يمكن أن نرى في هذا التشبيه القرآني التصميم الرمزي الذي يربط بين المصباح والآية الكريمة. كما نرى الرابط بين المصباح والضوء والحياة والأرض. حيث تبدو الأرض في الآية الكريمة كصورة تشبيهية عن كل شيء ثم لا تلبث أن تتحول لمادة ملموسة كونها شجرة الزيتون التي تعطي الزيت الذي يمكننا من إشعال المصباح. وهذه الشجرة ليست شجرة عادية، بل هي شجرة مباركة. ورغم أن هذه الآية تصف بالتأكيد نور الله، إلّا أنها أيضاً دعوة للتأمل والتفكر بالتقدير والوعي الذاتي والوعي بالعالم من حولنا. فأرضنا وثمارها فعلاً تستحق الحفظ والتقدير.

ومثل الآية الكريمة، كان يتم إضاءة المصباح عن طريق إشعال فتيل بعد غمسه في زيت الزيتون ووضعه فوق سطح مياه بغرض حماية المصباح من الحرارة ومن أن تُحرق قاعدته عندما ينفد الزيت، وبجانب وظيفتها في حماية المصباح، كانت المياه تقوم بوظيفة أخرى ألا وهي تركيز الضوء إلى الأسفل وبالتالي مساعدة الناس على القراءة. وثبُت بالتجربة العملية أن هذه المصابيح فعّالة للغاية في توفير إضاءة وافرة مقارنة بحجمها المتواضع، وكانت تُعلق في السقف في العادة باستخدام سلاسل طويلة مثبتة إلى أربعة مقابض أو أكثر تحيط بجوانب المصباح، وتتوزع المصابيح بحيث تنشر النور في كل مكان فلا تبقى أي بقعة مظلمة في المسجد.

قبل انتشار الإضاءة الكهربائية، كانت المصابيح تضاء بشكل يدوي، وكانت المساجد الكبيرة تحتوي في العادة على جحافل من العاملين لإضاءة أماكن العبادة قبيل المغرب وقبل بزوغ الفجر. احتوت المساجد آنذاك على ما يربو عن عدة مئات من هذه المصابيح، وكانت مهمة إضاءتها جميعًا عملاً جبّارًا، وهو ما عرفناه من سجلات الأوقاف المفصلة التي احتفظت بها العديد من المساجد لمئات السنين، حيث ذكرت تلك السجلات بالتفصيل أجور عاملي الإنارة الذين كانت وظيفتهم تتضمن أيضاً الاهتمام بالمصابيح من حيث تبديل الفتيلات وتنظيف الزجاج واستبدال المياه.

كانت تقنيات العالم العربي في نفخ الزجاج في ذلك الوقت متقدمة بشكل كبير عن التقنيات المعروفة في الغرب، مما أكسب المصابيح المصنوعة في مصر وسوريا شعبية كبيرة في أوروبا، بالذات في أوساط علية القوم والأغنياء. وكانت المصابيح تُعرض في العادة على قواعد مزينة بالذهب أو الفضة. كما صُدِّر الزجاج كذلك إلى الشرق حتى وصل إلى الصين. والجدير بالذكر أن تقنيات صناعة الزجاج الأوروبية احتاجت إلى عدة قرون لتلحق بتقنيات العالم العربي.

في القرن التاسع عشر الميلادي، ازدهرت تجارة تقليد المصابيح في أوروبا بشكل كبير، بما فيها مصابيح المساجد. وهو أمر نرى أصداءه حتى الآن في أعمال الفنانين المعاصرين المنتمين للحركة الدولية للزجاج، كالأوعية ذات الخصر المقوس التي صممتها الفنانة السويدية الأمريكية سونيا بلومداهل، والأوعية الزجاجية المطلية من تصميم كابي ثومبسون المقيمة في سياتل، بل وأغلب ما ستشاهده في شوارع مورانو.

ويمكننا القول أن نفخ وصناعة الزجاج كانت واحدة من الهبات العديدة التي منحها العالم العربي للإنسانية. ابتدأ الاهتمام بالزجاج وصناعته قديما وما زال مستمرا، حتى أنه توجد الآن "الحركة الدولية للزجاج" والتي تشمل جميع أنحاء العالم.

إنها منحة الأرض لنا. فدعونا جميعاً نضيء شمعة تكريماً لها.