سياحة اليوم - بين خيال السائح وذكاء التطبيقات

من منا لا يعرف الدليل السياحي؟ ذلك الذي لم يكن أحدنا يتصور رحلةً سياحيةً من دونه؟ لطالما امتلأ قاموس كل مسافر وسائح بمصطلحات من قبيل: الفوج السياحي، والدليل، والخريطة، وخط السير، ورقم الاستعلامات، والحافلة التي لا يجب أن تبتعد عنها كثيرًا. ولكن هل ستبقى الصورة على ما هي عليه في خضم هذه الثورات التكنولوجية، التي تُغير كلَّ يوم وجهًا مختلفًا من وجوه حياتنا؟ لقد نجحت التكنولوجيا في تحويل كوكبنا الشاسع إلى قرية صغيرة، فهل ستصمد السياحة بشكلها التقليدي، - الذي طالما عشنا من خلاله معاني اتساع العالم ورحابته وغموضه - في وجه العاصفة، أم ستنحني كغيرها من القطاعات وتستسلم لقواعد اللعبة؟.

إن السياحة مجال ثري بكل ما تعنيه الكلمة، يسعى السائح فيه بين احتياجات ومتطلبات لا غنى عنها لإنجاح رحلته. فمن التخطيط، إلى الميزانية، إلى السفر، والإقامة، والتنقل، والمطاعم، وزيارة المواقع الطبيعية والثقافية، إلى الانغماس في خصوصيات البلد الجديد، وما يستدعي ذلك من اطلاع على مناخه ولغته وعملته. ويمكننا القول بثقة: إن صورة السائح التائه بين كل هذه المتطلبات - والذي يسلم أمره لشركات الأسفار، التي تحدد مسار رحلته، وتختار له مكان إقامته، والمواقع التي سيزورها، والطرق التي سيسلكها - قد أصبحت صورة من الماضي بلا رجعة.

لقد نجحت ثورة المعلومات والتكنولوجيا الرقمية في اكتساح كل قطاعات حياتنا اليومية، واستطاعت الهواتف الجوالة وتطبيقاتها الذكية أن تختزل عوالم كاملة في بضع لمسات على شاشات براقة. ولا تبدو السياحة اليوم بمنأى عن هذه الثورة الرقمية، إذ توشك مؤسساتها التقليدية ومصطلحاتها الكلاسيكية أن تنزوي جانبًا، وترفع الراية البيضاء، أمام تطبيقات لا يكاد يخلو منها هاتف ذكي في أيامنا هذه. كل احتياجات السائح ومتطلباته أصبحت على بعد لمسات بسيطة من أنامله، فضغطة على أيقونة حقيبة السفر تتيح له التخطيط للرحلة من ألفها إلى يائها، وأيقونة الطائرة تجعله على بعد لمسات من اختيار كل ما يتعلق بالسفر، من: شركة الطيران، إلى سعر التذكرة، إلى خط السير، ومحطات الترانزيت، وكل هذه المعلومات التي كان في الماضي القريب لا يعرف عنها شيئًا. حتى مقامه هناك باح بكل أسراره، واصطفت على شاشته الذكية تطبيقات لا تقل ذكاءً، تتفانى في تقديم كل المعلومات الضرورية وغير الضرورية، كالصور، والأسعار، والخيارات، وحتى تقييمات المستخدمين، ليستطيع من خلالها اختيار: مكان إقامته، ونوعية طعامه، وشرابه.

وبينما يقف سائحو الأمس على عتبات فنادقهم عاجزين عن اقتحام غموض هذا البلد المجهول، إلا برفقة دليل سياحي ماهر يقيهم شر التيه والمجهول، تسحب أنت هاتفك المحمول، وتفتح تطبيقًا من تطبيقات الملاحة، فترتسم المدينة كلها أمامك، طائعة لا تَخفى عليك منها خافية، فتمشي بين شوارعها، ومعالمها، ومرافقها، وتستقل مواصلاتها، وتدخل محلاتها، وتشرب قهوتها، كأي مواطن من مواطنيها. وقد ترغب في زيارة متحف، أو موقع طبيعي، أو مزار أثري، أو ترغب في تناول وجبة تتذوق فيها خصائص البلد وثقافته وطعمه ورائحته، كل ما عليك أن تفتح التطبيق المناسب، وستتسابق المعلومات إلى الاصطفاف أمامك، حتى تحتار في الاختيار بينها. ولا تقلق إذا ما وقع اختيارك على مطعم أو متحف في الطرف الآخر من المدينة، فتطبيق التاكسي ينتظر إشارة منك ليقوم بما يلزم، وها هي سيارة الأجرة تقف أمامك، وعلى شاشتك كل ما يتعلق بها، بدءًا من: اسم السائق، وصولًا إلى الأجر الذي ستدفعه.

إن الدور الذي تلعبه تطبيقات الهواتف الذكية في قطاع السياحة ليتعاظم يومًا بعد يوم، وسط منافسة محتدمة، الرابح الأكبر منها هو المستخدم العادي، الذي لم تعد السياحة تمثل له عالمًا مجهولًا كما في السابق. لقد أعطت هذه التطبيقات السائح استقلالية في القرار وأضاءت الرؤية كاملةً أمامه، ليتمكن من: إدارة ميزانية سفره، وتحديد أولوياته، واختيار أفضل السيناريوهات الممكنة لرحلته. ولو كان علينا أن نحفظ لطفرة البرامج الذكية دورًا واحدًا في مجال السياحة فلن يكون سوى تمكين السائح من الالتحام بثقافة البلد الذي يزوره، مطبقًا القول المأثور "إن السياحة الحقيقية هي سياحة البشر لا سياحة الأماكن". إن عقبات كانت كأْداءَ في الماضي، من قبيل: اللغة، والعادات، وحتى الظروف المناخية، وفرق العملة، قد أصبحت اليوم بفضل التطبيقات الذكية عوامل جمع لا عوامل تفريق، وتحولت من حواجز تعزل السائح خلف أسلاك دليله السياحي الشائكة، إلى مناطق استكشاف جديدة، ينتقل عبرها من سياحة الشركات والأفواج الرسمية، إلى سياحة اكتشاف الآخر، ومد جسور التواصل معه.

وإلى جانب دور التطبيقات الذكية في صياغة سائح جديد، وتشكيل وعيه الثقافي والإنساني، فلا يمكن إغفال تأثيرها على قطاع السياحة بشكل خاص، وعلى التفكير الإنساني بشكل عام، إذ بفضلها تحوَّلَ القطاع من سياحة شركات الأسفار، إلى سياحة الأفراد، وتَشكَّلَ شيئًا فشيئًا اقتصادٌ تشاركيٌّ، يلغي دور المؤسسات التقليدية المحتكرة للتأجير، والتسكين، والنقل، والتوجيه، ويستبدل به نسيجًا مجتمعيًّا رقميًّا، يحكم المشهد الجديد، ويستطيع ببعض التقييمات - الإيجابية، أو السلبية، والنجوم، وأصابع الإبهام المرفوعة أحيانًا، والمخفوضة أحيانًا - أن يرفع شركات ويخفض أخرى، وأن يؤدي إلى صناعة محتوى، أصبح بلا جدال جوهر القطاع السياحي في العالم، وشكله، ومضمونه، والعامل الأهم في صياغة قراراته واختياراته.