الغرفة الدمشقية.. دورة النجومِ بالأفلاك

هاهي الجدران الخشبية ذات الزخارف الإسلامية والأثاث المزركش التي يعود تاريخها لقرنين ونصف توشك على الرحيل في 14 من مارس 2020م، بعد أن حطت رحالها لأول مرة في ديسمبر الماضي، حاملةً في جدرانها وطياتها الكثير من القصص والحكايات التي عاشتها شخوص بداخلها، فقد قال أبو جعفر الإدريسي "للبيوت حكايات، ولا أفضل من بيوت الناس لتبوح بقصصهم"، نعم نحن نتحدث عن الغرفة الدمشقية التي كانت تزيّن معرض "الجمال والهوية" بنافورتها الحجرية ولوحاتها الجمالية ذات الأبيات الشعرية، فالتحفة الدمشقية ذاتِ قيمة كقطعة أثرية، وذلك لما لها من تأثير في نقلنا إلى حقبة تاريخية نرى من خلالها أجواء العائلة الدمشقية التقليدية، وطقوسها عند استقبال الضيوف، ونستكشف الخصائص الاجتماعية للمكان.

فهي ليست بالغرفة العادية فتاريخها محفوظ حيث ظلت في إطارها المكاني العتيق في حارة الباشا الدمشقية ناجيةً من عمليات الهدم والإزالة، التي طالت البيت في سبيل تعبيد أحد الطرق في عام 1978م، عبر تفكيكها ونقلها إلى العاصمة اللبنانية بيروت لتبقى لمدة 30 عامًا وتعرض للمرة الأولى عبر معرض "الجمال والهوية" الذي استضافته صالة كنوز ككنزٍ تاريخي أثري لهُ باعٌ من العراقة والأصالة يُحتفى به، فهي لا تحظى بقيمة تاريخيةٍ فقط إنما تتمتع بقيمة ثقافية وحضارية وفنية بالغة الأهمية، بما تختزله من خلاصة التراث الفني والمعماري الإسلامي.

فقد أعطت روّادها طيلة الشهور الماضية فرصة نادرة للسفر عبر محطات من تاريخنا لارتشاف جوهر الحضارة العربية الإسلامية التي تختزنها النقوش والزخارف في الأعمال الخشبية على السقف والجدران والأرض كذلك.

فيما وجد محبي الفنون والتصميم أنفسهم أمام عالمٍ باذخٍ من الألوان الأصلية المتجانسة والمتناسقة فيما بينها، في لوحة فنية بديعة ومعقدة، متكاملة العناصر تضفي على المكان خصوصية وتفرد.

فقد عبّر مكنون معرض "الجمال والهوية" عن ما تختزله كلمتي الجمال والهوية عبر تسليطه الضوء على الإرث التاريخي الذي تمتلكه الثقافة العربية من خلال ربط روّاده بتاريخهم عبر استعراض "الغرفة الدمشقية" بكل زينتها وفرادتها كحلقة وصلٍ تربط الماضي بالحاضر كدورة النجومِ بالأفلاك.

ونكاد نرى الكثير من عناصر الغرف الدمشقية الجمالية في بيوتنا حتى اليوم، فهنا تُحفةٌ منقوشةٌ بالخط العربي، وهنا زخرفةُ إسلاميةٌ على جدران هذا البيت، وهنا نافورةٌ تتغنى حولها الطيور وتشرب من مائها، وهنا إطارٌ خشبي حُفرت عليه الزخارف كما يحفر الزمن على وجوهِ محبيه.

-حُررت من قبل نورة البراك