السفير النرويجي: الإحساس المشترك بالمساواة من أفضل وصفات السعادة المجتمعية.

لوحة (الصرخة) للفنان العالمي إدفارد مونك

"أكثر ما يشدّ انتباهي في كلِّ مرّة أزور فيها إثراء، ذلك المشهد الأخّاذ، الذي تراه وأنت تسافرُ عبر الصحراء، من الرياض متجهًا نحو المنطقة الشرقيّة، ثم فجأة تجد سرابًا هناك، ينتهي بمبنى إثراء المكون من قطع ضخمة على قمة تلة، يبدو منظرًا من الخيال العلميّ، وهو شبيه بأحجار ستونهنج، ويقع المبنى بالقرب من الموقع الذي وُجد فيه النفط التجاريّ، واستُخرجَ لأول مرّة، وهو المكان نفسه الذي يمثّل اليوم مستودعًا للمعرفة الثقافيّة وللأفكار، وكأنّه بئر أخرى يستمرّ تدفّق كلّ شيء منها…‘‘.

في مقابلة حصريّة مع مجلة إثرائيّات، يشارك سعادة سفير النرويج في السعوديّة، أويفند ستوك، رؤيته حول المشهد الثقافيّ السعوديّ المتطور باستمرار، ودور الإبداع النرويجيّ، في واحد من أعظم المشاريع الثقافيّة في المملكة: مركز الملك عبد العزيز الثقافيّ العالميّ (إثراء).

فمنذ انتقاله إلى الرياض في أغسطس 2017، كان السفير ستوك شاهدًا على الكثير من التطورات: "أشعر أحيانًا أنّه كانت هنالك تغييرات، تقلّ أو تكثر، تحدث كل أسبوع منذ ذلك الوقت"، كما يقول. "فقد كان تدشينُ الفعاليات الفنيّة والثقافيّة للجمهور أمرًا رائعًا. وفي 2017، لم تكن توجد أيّة سينما قطّ. واليوم يبدو وكأنّ هنالك سينما في كلّ مركز تجاريّ في الرياض، كما يجري بناء المزيد. هنالك حفلات استعراضيّة، وأخرى موسيقيّة مباشرة، ومسرحيّات، ومعارض فنيّة، وأيضًا فعاليّات رياضيّة، يمكن للعائلة بأكملها حضورها".

ولكونه يشرفُ على شؤون النرويج في: البحرين، وعمان، واليمن، بجانب السعوديّة، فإنّه لم يمتلك إلا وقتًا قصيرًا لزيارة المواقع السياحيّة في المملكة. ومن بين الأماكن التي زارها، فإنّ المواقع المفضّلة عنده، تتمثّل في: البلد في جدة، والديرة، والمدينة المنوّرة، ومناطق الرمال الحمراء خارج الرياض. وعن ذلك يقول: "بما أنّ معظم النرويجيّين يعيشون في المنطقة الشرقيّة بالمملكة، حيث يعملون في صناعة البترول والصناعات البحريّة، فقد زرت المنطقة بعض المرات، وحضرت اجتماعات وورش عمل، وقمت بزيارة الشركات، والتقيت المواطنين النرويجيين هناك".

إثراء والنرويج:

كانت زيارته إلى إثراء إحدى زياراته المفضلة؛ ذلك البناء المصمّم من قبل شركة العمارة النرويجية "سنوهيتا" -وهو اسم مرتفع جبليّ مشهور في النرويج. لقد شُكّلَ بناء إثراء المميّز كمجموعة من الأحجار التي ترمز إلى الوحدة وتمثّلها، حيث يستند كلّ منها على الآخر تعبيرًا عن التضامنٍ، مظهرًا كيفيّة اعتماد المجالات المختلفة التي يتمّ استكشافها في المبنى على بعضها، لتقف بقوة كمَعْلَم حقيقيّ مرئيّ عن بعد أميال في جميع الاتجاهات. يتركّب إثراء من أنابيب الفولاذ غير القابل للصدأ، والمصنّعة بشكل فرديّ ومعقّد، والمطويّة لخلق قشرة فولاذيّة رائعة، تغطي كامل الجزء الخارجيّ من المبنى، بالإضافة للعديد من جدرانه الداخليّة.

ومن الذكريات التي يحملها سعادة السفير، أنّه التقط بعض الصور لمبنى إثراء الرائع قبل افتتاحه، فقد أوقف السيارة أثناء مروره بالطريق السريع، ليلتقط هذه الصور.

وحينما تذكّر ذلك، قال: "كانت أول مرّة لي داخل المبنى في يناير 2019، حيث قمت بدعوة النرويجيّين في المنطقة إلى عشاء لطيف في مطعم إثراء المتميّز. والتقينا في الوقت نفسه ببعض مندوبي سنوهيتا، وأرونا المكان، وحدّثونا عن: تصميم المبنى، وشكله، والمواد، والألوان، والتحدّيات الفنّيّة وغيرها...".

"وكان لي الشرف أيضًا أن أكون مدعوًّا في يونيو 2019 إلى افتتاح معرض الرسّام النرويجي العظيم إدفارت مونك (1863 – 1944): "مفازات الروح"، وقد كانت المرّة الأولى التي تُعرض فيها أعمال هذا الفنان الكبير في الشرق الأوسط".

إنّ واحدة من أكثر القطع المفضلة للسفير ستوك في منزله السعوديّ تتمثّل في المصباح ذي التصميم النرويجيّ. "إنّه عصريّ، وأصيل، وعمليّ، وغالبًا ما يستوقف الناس ليتساءلوا: كيف يعمل هذا المصباح?. يبدو وكأنّه معلّق في الهواء. يدعى هذا المصباح بـ "الوهم"، ومُصنع .من قبل شركة هيرادي للتصميم". لمعرفة المزيد عنه اضغط هنا.

إنّها لَلحظةٌ تاريخيّةٌ للفنّان النرويجيّ الأسطوريّ الذي عُرضَت أعماله في محيط جديد كليًّا، لجمهور جديد، حيث أصبحت ممكنة من خلال التعاون بين إثراء، وأرامكو السعوديّة، وآكر، ومتحف مونك في أوسلو.

"كان إدفارت مونك، وما يزال، أعظمَ فنّانٍ نرويجيّ، وقد ترك الآلاف من الأعمال لحكومة بلديّة أوسلو حينما مات، والمحفوظة الآن في متحف مونك، بينما جال بعضها العالم كأيقونة عالميّة. فكّر فقط في لوحة "الصرخة".

يقول سعادة السفير عن معرض مونك في إثراء: "الشيء المثير الذي كان في معرض إثراء في يونيو آنذاك، أني تفاجأت من أن هذه الأعمال لم تكن مشهورة ورائجة كما يعتقد النرويجيون، فقد وقف الكثيرون يرونها لأوّل مرّة. توقفوا ونظروا للأعمال الفنّيّة بطرق مختلفة. نظر الكثير إلى ضربات الفرشاة أو غيرها من التقنيات".

"آمل أن يستلهم الجمهور في إثراء وأن يتعلموا أكثر من أعمال إدفارت مونك، وكيف رسم وطلى الألوان، وآمل أن يتحفزوا ليتعلموا أكثر عن المكان الذي عاش فيه في النرويج. ففي الواقع يمكنك أن تقتفي آثارَه: ففي النرويج يمكنك أن تجد وتتعرّف العديد من المشاهد والأماكن التي رسمها، تمامًا كما هي، أو كما كانت، كخلفيات لما من الممكن أن يكون أكثر ما اشتهر به مونك، وعبر عنه من مشاعر الناس، ومزاجهم، ومشاهدهم الداخليّة. يمكنك أن تأخذ الترام لأعلى الهضبة في أوسلو، إلى المكان الذي سترى فيه خلفية لوحة "الصرخة". يمكن أن يتعلم معجبوه كل شيء عن حياة مونك وعمله، وأن يكتشفوا متحف مونك الذي سيُفتح في 2021.

عندما سُئل سعادة السفير عن زيارته لإثراء، استرجع العديد من مكوناته الأنيقة.

يقول: "المتحف، والقاعة الكبرى، والبلازا، والسينما، وقاعات المسرح كلها فريدة بالطبع، لكن الطريقة التي تُجذَب بها لأعلى الدرج، صاعدًا للأعلى ببطء نحو الضوء وطوابق المكتبة بمثابة تجربة رائعة، ويْكأنك في مطار كبير، وعلى وشك الإقلاع!".

بامتلاكها أكثر من 30,000 كتاب، وأكثر من 10,000 كتاب إلكترونيّ، وكتب صوتيّة، فإن المكتبة هي كنوز أدبيّة دفينة.

عندما سُئل عن قصّة مفضلة من السعوديّة يحبّ أن يشاركها مع أصدقائه في النرويج قال: "النرويج هي بلد منتج للنفط، لذا فلدينا الكثير من القواسم المشتركة. كان يخبرني بعض المسؤولين السعوديّين الذين التقيتهم أن "النرويج هو بلد قَبَليّ، كالسعوديّة تمامًا" لم أفكر في ذلك من قبل أبدًا. أعتقد أنّ الذي يجول في بالهم أن العديد من النرويجيّين مستقلون، وذوو إرادة قويّة، ويواجهون الطبيعة والمناخ القاسيين والخطيرين، ويهتمون بعائلاتهم وقبائلهم، ويذهبون "للصيد"؛ أعني صيد السمك. فالمحيط الواسع هو صحراء النرويج".

حقبة كوفيد – 19:

وفي حين أنّ الأشياء بدأت تعود ببطء إلى حالتها الطبيعيّة، ومع انتهاء حظر التجول والإغلاق الكامل حول العالم، سيكون من المثير للاهتمام رؤية الأثر طويل الأمد الذي قد ينتجه كوفيد – 19.

يقول السفير: "(يمكن) أن يكون الناس الذين التزموا بالبقاء في المنزل قد اكتشفوا قيمة كتاب جيد، أو برنامج وثائقيّ جيد، أو سلسلة تلفزيونية مسلّية، بل وربما اشتروا أدوات وحاولوا أن يكونوا فنّانين بأنفسهم –كفنّ التخطيط".

وعندما طُلب منه أن يشارك نصيحة عن كيفيّة أن نبقى سُعداء باستعمال أمثلة من الثقافة النرويجيّة، بما أن النرويج يصنف دائمًا ضمن الدول الخمسة الأولى "الأكثر سعادة"، شارك السفير هذا: "أحد الأسباب وراء تصنيفنا العالي هو القيمة المشتركة بالمساواة. في النرويج، الفرق بين الناس الأغنياء والفقراء ليس كبيرًا كما في بعض الدول الأخرى. أن تكونوا متساويين ليس يعني ذلك التشابه، وإنما يكمن أكثر في التكافل، وساحة لعب متساويّة، وتشارك العبء، وأن يمتلك كل فرد فرصة لعيش الحياة التي يريدها، وامتلاك سهولة الوصول إلى المساعدة والدعم عندما تحتاجهما. أن تكونوا "دولة سعيدة" يتعلق بتحقيق عقيدة أساسيّة موجودة في المعتقدات الإسلاميّة والمسيحيّة: كيف يمكنني مساعدة الآخرين بأفضل طريقة؟ كيف يمكنني أن أتصرف مع إخوتي وأخواتي كما أتوقع منهم أن يهتموا بي؟".

ومع فتح أبواب إثراء قريبًا، يتطلع السفير ستوك والمجتمع النرويجيّ لزيارة المركز مجدّدًا، واكتشاف البرامج الجديدة المخططة لباقي العام.

وينصح السفير أنّه "من أجل التأقلم مع كوفيد-19، فإنّه أصبح من الضروريّ أن نركّز على أشياء أخرى غير المرض، وبسؤالنا عمّا هي الأشياء الأخرى؟ يجيب: حسنًا، يمكن أن تكون الفنون".

بقلم: ريم تينا غزال.