‘Sun from the Heavenly Bodies series,’ by Dana Awartani. Courtesy Dana Awartani and Athr Gallery, Jeddah.

منذ اللحظات الأولى للإنسان على هذه الأرض، ومع تعاقب حضاراته وثقافاته ولغاته، كانت هناك دائمًا حضارة موازية، لا مرئيّة، متكاملة بثقافتها، ولغتها التي لا نبالغ إذا قلنا إنها لغة الكون ذاته. إنها الأرقام، اللغة الوحيدة التي تكسّرت على صخورها عواصف الجهل والشعوذة، كما أينعت في ثراها أزهار الاكتشافات، وسمقتْ أشجار العلم.

كانت الأرقام دائمًا هنا، معنا وحولنا. منذ بدء الخليقة وهي جالسة على غصنها بحكمة القرون، تتابع حَبونا على طريق استكشافها، وتحسُسَنا لمعالمها، تحيط بنا وتتغلغل في أدقِّ تفاصيلنا، تشكّل سيرورتنا وتدوّن خطواتنا المتعثّرة، التي لا تستقيم إلا كلما لامسنا ذلك الحاجز الخفي، وعبرنا المرآة السحريّة من عالمنا العشوائيّ إلى عالمها المنتظم انتظامًا لم يُحط به إدراكنا بعد.

إن علاقتنا بالأرقام علاقة فريدة من نوعها حقًّا، إذ تُسهم بشكل أساسيّ في تنظيم كل جوانب الحياة بمختلف أبعادِها: الزمانيّة والمكانيّة، الكمّيّة والكيفيّة. فمصطلحات كالقياس والقيمة، ما كان لها أن تُوجد أو تكون ذات معنى لولا وجود الأرقام. إن الحياة في نهاية الأمر هي أشبه بقطار يحتاج إلى قضبان يجري عليها، ومحطّات يتوقّف عندها، ومحوّلاتٍ تحدّد مساره، ولا شكَّ أن حياةً بلا تاريخ مدوّن، وبلا مقاييس لتحديد المكان، وبلا معايير كمّيّة وكيفيّة لتحديد الصواب والخطأ، تعني حتمًا الفوضى والعدم. الأمر مستحكم إلى درجة أنك لا تستطيع إكمال دورة كاملة ببصرك دون أن ترى أرقامًا. في أزرار هاتفك، في رقم القطار القادم، في تاريخ اليوم، أو درجة الحرارة، أو في فاتورة الكهرباء التي تتظاهر بعدم رؤيتها، إن الأرقام تلعب - بلا منازع - دور الخطوط التي ترسم حدود الملعب. هل جرّبت أن تلعب كرة القدم في ملعب ليس فيه خط تماس أو منطقة جزاء؟ ظاهريًّا يبدو الأمر مشوّقًا، إلا أنّه في الواقع أعمق من ذلك بكثير.

لا يقتصر الأمر على مقوّمات استمرار الحياة، وإنما يتجاوزها إلى محاولات فهم هذا الكون، وإدراك نظامه ونواميسه. لقد نجحت الرياضيات - باعتبارها الأب الروحيّ الذي ترفل في عباءته الأرقام بعالمها الساحر - في أن تتفرد، ليس فقط بدور المترجم بيننا وبين عالم من المعادلات والغموض، وإنما أيضا بدور المرشد الذي يأخذ بأيدينا لنجتاز بحرًا هائلًا من الظواهر الطبيعيّة التي تحيط بنا منذ بداية الخلق ونحن عنها غافلون: الجاذبيّة، والموجات الكهرومغناطيسيّة، وحركة الكواكب والذرات، وغيرها من الحقائق التي كانت هنا منذ البداية، تنتظر في صبر تلك اللحظات المتفرّقة التي يتمكّن فيها الإنسان من الغوص في سحر الأرقام، ليفتح في كل مرّة بابًا جديدًا من أبواب المعرفة. بعض هذه الأبواب فتح على مصراعيه أمام اكتشافات غيّرت مجرى التاريخ، وبعضها بقي مواربًا على أسرار ألهمت بغموضها عباقرة العالم على مرّ العصور. إن الأعداد الأوليّة، وأعداد فيبوناتشي، والعددان "باي" و"في" - وغيرها من ألغاز الأرقام والرياضيات - قد بقيت دليلًا دامغًا على الارتباط الوثيق بين الطبيعة والأرقام، وظلّت الشغل الشاغل لعباقرةٍ مثل الألماني غاوس، وتلميذه ريمان، والإنجليزي هاردي، والعبقريّ الهنديّ رامانوجان.

يعتقد كثير من الناس أن العلوم عامةً، والرياضيات خاصةً، هي المجال الوحيد الذي استوعب الأرقام بجفافها وخلوها من المشاعر والخيال، وهذا الاعتقاد في الواقع مجانب للحقيقة، إذ تمثّل الأرقام، على ما فيها من منطق جاف، مصدر إلهامٍ، بل وإحكامٍ للفنون والثقافة أيضًا. ولعل من أبرز تجلّيات هذه العلاقة، اعتماد الفنانين على مقاييس جمالية خاضعة للغة الأرقام، لعل من أبرزها الرقم الذهبي "في" المتمثل في المعادلة x2 = x+1، والذي يحدد، بشكل مدهش أحيانًا، مدى جماليّة كل ما يحيط بنا تقريبًا. ولقد ألهمت هذه القاعدة الرقميّة الفنيّة أرباب الفنّ والتصميم، بداية من الإغريق والفراعنة، الذين صمموا معابدهم وأهراماتهم وفق الرقم الذهبيّ، فكانت بهذا الجمال والتناسق، إلى فنّاني عصور النهضة الأوروبيّة، كليوناردو دافنشي في لوحته 'الإنسان المثاليّ" التي بيّن فيها ارتباط القياسات التشريحيّة لجسم الإنسان، بالرقم الذهبيّ، ولعل لوحته الخالدة "الموناليزا" تبقى أكبر شاهد على أهمية استخدام الأرقام في توزيع المساحات والأجسام في العمل الفنيّ، اعتمادًا على قاعدة المستطيل الذهبيّ، وتفاوت نسب الأجسام بعضها عن بعض، وإلى المساحة الكاملة تبعًا للرقم المدهش "في". وصولًا إلى الصورة اليوم في شكلها الجديد الذي تعتمد فيها على الأرقام، ليس في قياساتها العامة والنسبيّة فقط، بل في تحديد درجات اللون والإضاءة لكل نقطة فيها.

الموسيقى أيضا لم تبق بمنأىً عن تأثير الأرقام وتداخلها في أساسيات هذا الفنّ. فالنغمات الموسيقيّة هي في الواقع ذبذبات وأرقام، قبل أن تكون إلهامًا ووحيًا وخيالات. ولقد مثّلت دائرة الخامسات - المبنيّة على الأرقام - أساس التأليف الموسيقيّ لقرون طويلة، قبل أن تأتي الرياضيّات الحديثة لتصحح النقائص التي أوجدها اختلال التنظيم الرقميّ لهذه الخامسات الموسيقيّة، ولتساعد على الانتقال إلى السلم الموسيقيّ المعتدل في شكله الحديث، المبني أيضًا على أوكتافات وأرقام أكثر دقة وإحكامًا.

كثيرًا ما مثّلت الأرقام "طاقة" تتحرك بها الأحداث والأشياء من حولنا، ودائمًا ما كانت طاقةً تحركُنا نحن أيضًا، فلا عجب أن نجد لها وقعًا وتأثيرًا في مختلف الثقافات الإنسانيّة باختلاف أزمانها، ومستويات تقدمها أو تأخرها، يصل إلى مستوى الإيقونات الدينيّة، أو الأساطير الشعبيّة القادرة على تحريك وعي جمعيّ بأكمله. إن أرقامًا مثل 13 عند كثير من الغربيّين، أو 4 عند الصينيّين، أو 666 عند المسيحيّين، تعتبر أرقامًا تحيط بها هالات من الشؤم والنحس. ويبدو هذا الرهاب من الأرقام واضحًا - رغم عدم منطقيّته - في تجاهل أرقام بعينها، من: أرقام البيوت، أو غرف الفنادق والمستشفيات، أو أزرار المصاعد، أو حتى مقاعد الطائرات، وهناك عدد لا بأس به من الناس يرفض أن يقيم في بيت رقمه 13 أو أن يأكل على طاولة حولها ثلاثة عشر شخصًا. ورغم أن علاقتنا بالأرقام تبقى متذبذبة بتذبذب مشاعرنا وعواطفنا تجاه الأشياء، إلا أنّها حافظت على علاقة أكثر متانة مع كل ما حولنا من ظواهر كونيّة ومقوّمات معيشيّة، وحتى مجالات إبداعيّة وجماليّة.

واليوم تنتقل هذه العلاقة إلى مستويات غير مسبوقة من الاندماج شبه الكامل، فكل شيء الآن أصبح قابلًا للرقمنة والتخزين في قواعد بيانات لا نهاية لها. كل شيء، ما عدا عواطفنا البشرية، التي بقينا بفضلها حتى الآن محتفظين ببعض الاستقلاليّة عن هذه الأرقام، التي سطرت الزمان والمكان، وطبعت كينونة الإنسان، ولا يبدو أنها ستكتفي بذلك في المستقبل القريب.