القرقيعان .. فرحة الأطفال برمضان

منذ أن كنت طفلة، ومنذ لحظة التبشير بدخول شهر رمضان المبارك؛ لا يشغل خاطري شيءٌ سوى يوم 14 من رمضان، حيث القمر تحتضنه السماء في تمامه، وفي أوج معالم الفرحة والسعادة بهذا اليوم، كونه لا يُعد يومًا عاديًا، فما أن ننتهي من الإفطار بالمنزل حتى نذهب إلى جزيرة "دارين"، مسقط رأس أمي، حيث بيت جدي المطلّ على البحر، والذي تزيّنه سفن الصيد الراسية، لنجتمع مع العائلة حتى نقيم مراسم الاحتفال بمناسبة شعبيّة تداولتها السنين وتنقالها الناس، وهي "القرقيعان".

يعتبر القرقيعان أشبه بمهرجان أزياءٍ لكلّ ساكني دارين، ولا سيما الأطفال، حيث نرتدي ملابس شعبية لبعض الدول، كالرداء الشعبيّ المصريّ، أو الرداء الصينيّ، أو حتى الهنديّ، وكأننا سفراء لتلك الدول، كما نرتدي الملابس الشعبية التي تختصّ بها المنطقة الشرقية "الجلابية والبخنق" وعلى رقابنا أكياس نسميها "الخيشة" لجمع القرقيعان "المكسرات والحلويات"، بينما أيادينا نخضبها بالحناء ليلة القرقيعان، لنكشف عنها النقاب في يومه وهي بنية اللون، ومزدانة بالذهب والحُلي، فيما تكتسي المنازل بزينةٍ خاصة للقرقيعان، حيث يتم استخدام منتجات الخوص القديمة، كالمهفة اليدوية، والسفرة، والصندوق، لننطلق بعدها لبيوت الجيران ونحن نشدو بأهازيج القرقيعان كأهزوجة:

قرقيعان وقرقيعان

بين قصيّر ورميضان

عادت عليكم صيام

كل سنة وكل عام،

عطونا الله يعطيكم

بيت مكة يوديكم،

يوديكم لأهاليكم

يا مكة يا معمورة

يا أم السلاسل والذهب

يا نورة شسم ولدكم؟".

وبمجرد ذكر اسم صاحب القرقيعان ذكرًا كان أو أنثى حتى نكمل:

"يالله تخليه لأمه وتخليه حق أهله"

لنُعطى على إثر ذلك نصيبنا من القرقيعان، وما أن نعود لمنزل جدي حتى يستقبلنا القرقيعان العائلي، حيث نغني لأطفال العائلة لنفوز بالقرقيعان من أمهاتهم.

Art

والقرقيعان هو المكسرات والحلويات التي تُعطى للأطفال في منتصف الشهر، وقد قيل إن هذه العادة أتت تكريمًا للأطفال لصيامهم منتصف الشهر، وتشجيعًا لهم لإكمال نصفه الآخر، وهي عادة متعارف عليها في المنطقة الشرقيّة بشكلٍ خاص، ودول الخليج بشكل عام، حيث تتعدد أسماء القرقيعان، فسكان البحرين والكويت على سبيل المثال يسمونه كما يسميه سكان المنطقة الشرقية "قرقيعان" فيما يسمونه في دولة الإمارات بـ"حق الليلة" وفي عُمان يُسمى بالـ"قرنقشوه".

وبالعودة إلى دارين، أخبرتني أمي أنه حتى على أيامها كان ما يعرف بـ "أبو طبيلة" أو "المسحراتي" والذي يقوم بطلب القرقيعان وهو يقرع طبلته مرددًا أهزوجة " عطونا من مال الله.. سلّم لكم عبدالله"، لنرى اليوم؛ أن شعبية احتفال القرقيعان لم تعد مقتصرة داخل أسوار البيوت وبين العائلات فحسب، بل أصبح بعض أصحاب المقاهي والمطاعم يقومون بإحيائها عبر تنظيم عروض الفرق الشعبيّة الغنائيّة، كما أن سكان المناطق الأخرى وجدوا في القرقيعان مناسبة لطيفة، كانت لها القدرة على جمع العائلة، واسترجاع الأيام الخوالي عبر ارتداء الملابس الشعبية في جوٍ أسري مفعمٍ بالفرح والبهجة.

بقلم: نورة البراك