لوحة (العيون الكبيرة) للرسامة مارجريت كين، نقلًا عن

www.cbsnews.com

هل الإنسان في حقيقته طفلٌ كبير؟ هذا السؤال ما انفكّ يراود الناس على اختلاف أنواعهم، فسواءٌ أكان السائل من عامّة الناس أم من فئة المفكّرين والفلاسفة، سيكون من الحتميّ دائمًا استشعار تلك الروح الطفوليّة الكامنة في أعماق كل منّا. يُقلّل بعض الناس من قيمة هذا المخلوق الذي تبدأ عبر بوابته كلّ الحكاية، فينظرون إليه باعتباره "شيئًا" غير مكتمل النمو، أو "مشروع إنسان" ما زال في طور الإطلاق، إلا أنّ الذاكرة الإنسانيّة، التي كتبت أعمق صفحاتها في هذا الطور بالتحديد، تشهد على عكس ذلك. إنّ الطفولة هي المستودع الأمين للذات البشريّة نفسها، والفصل الأول من رواية بُنِيَت كلّ أحداثها على أساسه. واليوم أصبح السؤال : إلى أيّ مدى يمكن الغوص في أعماق هذا المستودع لاستكشاف مناطق في النفس البشريّة لم يسبق الوصول إليها من قبل؟

إذا جاز تشبيه الإنسان بالبنيان الشاهق، فإنّ الطفولة هي أساساته التي يعتمد عليها. وهي بهذا تلعب دورًا جوهريًّا في استقرار ذلك البناء واستمرار علوّه، أو في ترنحه ووقوعه. ولعلّ من أبرز ما يخلص إليه أخصائيو علم النفس والتنمية البشريّة في تحاليلهم، هو ما يختزنه العقل الباطن من إرث وذكريات ومعتقدات، تكوّنت النسبة الأكبر منها خلال مرحلة الطفولة، وبقيت في لا وعي الإنسان، تؤثر في إدراكه وقناعاته، وتشكل سلوكه وعاداته. من هذا المنطلق تُعَدُّ مرحلة الطفولة مرحلة استراتيجيّة، ليس فقط في سياقها الفرديّ من خلال السعي إلى تكوين شخصيّة الإنسان على أسس سليمة، وإنّما أيضًا في سياق مجتمعيّ يسعى إلى الوصول بالمجتمع إلى أكمل صورة.

تتميز مرحلة الطفولة بأنّها العجينة الطيعة التي تتشكل وفق ما يأتيها من مدخلات. يمكن تشبيه الأمر بإسفنجة تتشرب السوائل في مرحلةٍ أولى قبل أن تعيد إخراجها في المراحل اللاحقة. وتتمثل السوائل التي ستتشرّبها إسفنجة الطفل في مراحلها الأولى في اكتساب المهارات الأساسيّة وتطور الحالة النفسيّة والعاطفيّة والاجتماعيّة. تُعَدُّ مهارات التعلم والتذكر والتكلم أساس العملية المعرفيّة التي سترسم إلى حد كبير معالم القدرة الإدراكيّة للإنسان البالغ، إذ إن آليات: المران، والتكرار، وتخزين المعلومات في الدماغ، والوصول إليها عند الحاجة، والسلوك اللفظي، هي الآليات التي تعتمد عليها العمليّة المعرفيّة طوال حياتنا. كما أن مواكبة التطور النفسيّ والعاطفيّ للطفل تبقى ذات أهمّية كبرى، لإكساب الطفل القدرة على التعامل مع مشاعر مفصليّة من شأنها توجيه إدراكه وسلوكه، مثل: الغيرة، والشكّ، والقلق، والثقة، والتخيّل، والفرديّة. بالإضافة إلى ما للتطور الاجتماعيّ من أهميّة يفرضها البعد الاجتماعيّ والسياق الأشمل، إذ لا تكون عمليّة البناء كاملة من دون مرافقة مدروسة لتطور الطفل في جوانب: الاتصال بوسائله المختلفة، والقواعد السلوكيّة، والمثُل، والقيم، وفهم مشاعر الآخرين. ولا يغيب عن الذهن أن ملامح الشخصيّة المستقبليّة للطفل لا تعتمد فقط على ما يُلقَّنُه أو ما يلاحظه، وإنّما أيضًا على عوامل أخرى، تلعب مهاراته الأساسية الآن دور المؤطر لها، والمتفاعل معها، كالبيئة المحيطة، وحالة الأبوين شخصيةً وسلوكاً وعلاقةً.

تشير الدراسات النفسيّة الحديثة إلى حجم تأثير البرمجة التي يتلقاها الطفل على شخصيّته عند البلوغ، إذ تقف البرمجة السلبيّة في الصغر وراء أكثر المشاكل النفسيّة التي تظهر بعد ذلك. ولا يقتصر مفهوم البرمجة على ما يتلقاه الطفل مباشرة من المحيطين به، وإنّما يتعداه إلى ما تلتقطه حواسه من بيئته والمؤثرات المحيطة به، كالتلفزيون، وسلوكيات الشارع، والموسيقى، والقصص المصورة، وغيرها من المؤثرات التي يستقبلها الطفل بدفاعات مفتوحة، وإدراك بكر أقرب إلى صفحة بيضاء، وذاكرة تخزّن ما يصلها دون تمييز. تكمن أهمّية البرمجة المبكرة، سلبيّة كانت أم إيجابيّة، في كونها المحدد الأول لشكل الذات في مراحل عمريّة متقدّمة، من الناحية: الشخصيّة، والاجتماعيّة، والمهنيّة، والعاطفيّة. لا شكّ أنّ المهارات الناعمة، كالذكاء العاطفيّ، ومهارات التواصل، هي العملة الأكثر تداولًا في عالم اليوم، ومن البدهيّ أنّ مفاتيح هذه المهارات، كالثقة بالنفس والسلوك اللفظيّ ولغة الجسد والملكات الإبداعيّة، هي من إفرازات البرمجة والمؤثرات والذكريات التي يتلقاها الإنسان في طفولته، لتصنع باجتماعها بصمته الشخصيّة الفريدة.

إنّ الطفولة لهي المختبر الذي يخرج من تفاعلاته إنسان الغد. تحيلنا هذه الفكرة بشكل مباشر إلى التفكير في الأبعاد الاجتماعيّة للطفولة وفي طبيعتها الاستراتيجيّة، التي تجعل العمل على ضمان طفولة "مناسبة" للسياق العام أمرًا حتميًّا لا مجرد خيار. مصطلحات جديدة اتخذت مكانها اليوم في الواجهة، كالسياسات التربويّة، والمنهجيات، والبيداغوجيات، وصناعة المحتوى الموجه للأطفال، الهدف منها تحويل آلية عمل الإسفنجة من التلقائيّة الفطريّة إلى الصناعة والبرمجة المدروسة. غير أنّ للطفولة ذاتها رأيًا آخر، إذ تتمحور كلّ مدخلاتها وآليات عملها ومخرجاتها حول السمات الأبرز لها: البراءة، والعفويّة، والنقاء. ويبدو أن الطفولة تتحول شيئًا فشيئًا إلى ساحة معركة خفيّة بين فكرتين، الإنسان المتروك على فطرته، والإنسان الذي امتدت الأيادي إلى طفولته لتصنع له مستقبلًا مطابقًا للمواصفات. وفي كل الحالات تبقى الكلمة الفصل في تحديد معالم الإنسان خاصة، والمجموعة الإنسانيّة عامةً، لهذه الحكاية الجميلة التي تأبى إلا أن تحتفظ بأسرارها، وتتمنع إلا على من نفذ إلى نقاء جوهرها، ونهل من معينها الذي لا ينضب.