لطالما جُبل الإنسان على حُبه للمغامرة والاستكشاف لذا فقد طاف العديد من المستكشفين والرحّالة أقاصي الأرض شرقًا وغربًا لا لشيء سوى اكتشاف العالم بالنسبةِ لهم، ولأن هناك بعض الأماكن، كمكة المكّرمة، وبيت الله الحرام، وتحديدًا الكعبة المشرّفة هو حلمٌ صعب المنال لغير المسلمين، وهو بمثابة مكانٍ شد فضولهم وقاد العديد منهم إلى تخيّل ماهيته، بل وحتى التسلل إليه في هيئة وزيّ مسلمين. ففي عام 1853م، تنكر المستكشف البريطاني سير ريتشارد فرانسيس بورتون على هيئة حاج ليدخل المواقع المنهي عنها، حيث لطالما فُتِن المستكشفون بشبه الجزيرة العربية، وتخيلوا كيف تبدو المدينتان المقدستان، مكة المكرّمة والمدينة المنورة، وعبّروا عن هذه التخيلات من خلال الفن، بينما عاد آخرون كالسير بروتون بتقارير ملونة تصف زيارتهم إلى "المدينة السرية".

ومن ضمن الرحالة والمستكشفين المشهورين، والذين انطلقوا في رحلة إلى مكة لأجل الحج، الرحالة ابن بطوطة، وهو اسم معروف لدى الكثيرين. ابن بطوطة ،" أبو عبدالله محمد بن عبدالله الطنجي (703 - 779هـ)"،هو عالم ورحالة مغربي بربري مسلم، وهو مؤلف أحد أشهر كتب الرحّالة، ألا وهو "الرحلة". وقد امتدت رحلاته الواسعة على مدى 75,000 ميلاً (120,000 كم) جال فيها كل البلدان الإسلامية تقريباً في حوالي ثلاثين سنة من حياته، حتى وصل الصين وسومطرة التي هي الآن جزءًا من إندونيسيا، حيث واجه ابن بطوطة هجمات من قاطعي الطرق في الصحراء، وأنقذه البدو، كما واجه عواصف رملية شديدة، حتى وصل أخيراً بعد 16 شهراً إلى مكة لأداء مناسك الحج.

تصوير المسجد الحرام في مكة المكرمة أواخر القرن الثامن عشر- متحف آغا خان

بلاط يصور الحرم في مكة المكرمة من إزنيك، تركيا (القرن السابع عشر) – متحف بيناكي

فقد ألهمت جاذبية الحج وتحديداً السر الكامن وراء مكة؛ الفنانين والمفكرين العالميين ليصوروا هذا الطقس الديني بأكثر الطرق إبداعاً، حيث تم خلق قطعًا فنية حديثة تمثل الحج إجلالًا لهذا الحدث الرائع. وعذراء بخشايشي هي واحدة من أولئك الفنانين، حيث يضفي تكرار الحروف الظاهر في عملها "طواف 1"، وهو جزء من مجموعة إثراء؛ إيقاعاً تأملياً مماثلاً لما يشعر به الحجاج أثناء الطواف.

فيما تلتقط الكاميرا في عصرنا الحديث، ما تراه العين من خلال ضغطة زرٍ سريعة، ويشيد العديد من المصورين بجمال وسحر مكة المكرمة. وأحد هؤلاء الفنانين الأميرة ريم الفيصل، حفيدة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله. فقد عبّرت عبر صورتها "حج 127"، والتي ظهرت في مجلة "إثرائيات" بإذن من مؤسسة بارجيل للفنون، عن إنسانية الحج حيث الاجتماع في مكانٍ واحد، فصورتها لا تعرض أعداد الحجاج العظيمة فحسب إنما تظهر السكينة والروحانية التي تتمتع بها هذه الأعداد مجتمعةً في رحابٍ واحد.

ومن ضمن الأعمال الفنية المشهورة الأخرى والمعروفة بتصويرها الرمزي لمكة، لوحة الفنان أحمد ماطر "مغناطيسية"، حيث يصور تمثيله للبرادة المعدنية التي تحاكي طواف المسلمين حول الكعبة وسحب الحجاج بطريقة بسيطة لكنها قوية. فبالنسبة إلى المسلمين، يمثل الحج الركن الخامس من الإسلام حيث تكفير الذنوب والأمان في رحاب بيت الله الحرام.

بيد أن الحج والمكان الذي يقام فيه بمثابة المغناطيس لأصحاب الفضول ولمتبعي الإسلام منذ قرون، وسيبقى كذلك سواء كان هنالك الملايين في محيطه أو مجرد عددٌ قليلٌ من الحجاج.