الفنّانون سيجدون دائمًا أساليب مبتكرة للتواصل والاستكشاف والتعبير

تركت جائحة كورونا والإغلاق التام الذي تبعه مجموعة من المشاعر لدى الكثيرين، امتزج فيها الشك بالخوف والقلق وحتى الملل. لكن بالنسبة لمديرة معرض فنون، فإنّ أسابيع العزلة الجسدية لم تمنحها فقط وقتًا ثمينًا لمواكبة عملها، ومواصلة البحث في أطروحتها، بل وأعطتها أيضًا لحظات للتفكير في ما يعنيه الوباء بالنسبة لها كمسؤولة عن رعاية وتنشيط الفنون، ولعالم الفنّ على نطاقٍ أوسع.

في إطار مقابلة شاملة لمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) مع مايا الخليل، صرحت مديرة معارض الفنون والمحكّمة المستقلّة الدمثة بوجود شيء من عدم اليقين في شأن مستقبل ما بعد الجائحة. ومع ذلك فهي تعتقد أنّ التغييرًا أمر لا مفر منه، وربما يكون ضرورًاي.

وقد بدا منذ بداية المقابلة أنّها معتادة على طرح كم من الأسئلة يوازي ما يتوجب عليها الإجابة عنه، فتقول: "هل سنعود إلى فعل الأشياء بالطريقة التي اعتدنا عليها، أو سنغتنم فرصة ضعفنا الذي تم التثبّت منه مؤخرًا، لمعرفة ما يمكن أن تكون عليه "المدينة الفاضلة".

وطرح الأسئلة الصعبة أمر سهل بالنسبة إلى الخليل. ففي يناير الماضي، تولّت الإشراف على المعرض الرائد "أيتها الأرض" كجزء من معرض جدّة 21،39 للمجلس الفني السعودي، وقد كشف المعرض عن جوانب متعددة من أزمة المناخ من خلال عدسة 22 فنانًا عالميًا. واليوم، تعمل مايا على أطروحتها حول الفن والسياسة بينما تعمل بالمشاركة مع معهد غوته الألماني على تنظيم سلسلة من المعارض حول الأزمات البيئية.

دور الفنانين كمحفزين للحوار حول القضايا المهمة مثل تغير المناخ هو أمر تشجع عليه مايا، وتقول: "أنا أؤمن بقدرة الفن على التغيير وبدء الحوار وتشجيع المشاركة. وللفنانين دور يلعبونه في المجتمع، وهم يلعبون هذا الدور في الأوقات الجيدة والأوقات الصعبة. ودوري هو العمل مع الفنانين لفهم السياق الذي يتم فيه خلق الأعمال الفنية، وما هو المناسب منها، وكيفية توصيل هذا التناسب إلى المشاهد لتحسين مشاركة الجمهور."

وبينما أتاح الإغلاق التام الوقت للفنانين "للتفكير وإعادة التفكير" في أعمالهم وفي العالم من حولهم، إلا أنّ مايا تعتقد أنّه ما زال من السابق لأوانه تقييم تأثير فيروس كورونا على الفن والثقافة. ومع ذلك تقرّ بأنّ ردود فعل الفنانين الذين تتحدث إليهم بشكل منتظم على الإغلاق التام كانت متفاوتة.

وتضيف: "عبّر العديد من الفنانين عن شعورهم بالارتياح لأنهم وجدوا الوقت كي يتوقفوا للاستراحة، والتجوّل في ذاتهم، داخليًا أو افتراضيًا، كما وجدوا المساحة والوقت المناسبَين لإجراء التجربة، حتى إن لم يكونوا بالضرورة منتجين، بمعنى أن يضطروا لإنتاج عمل تلو الآخر كي يفوا بالتزاماتهم تجاه عرض الأعمال أو بيعها."

في الوقت نفسه، وعلى الرغم من اتخاذ بعض الفنانين لعملية الإغلاق التام كفرصة للتأمل والتجربة، تعتقد مايا أنّ الآخرين يجدون أنفسهم يواجهون صعوبة في التركيز والقلق بشأن ما يحمله المستقبل.

بعد أن عملت عن كثب مع المجتمع الفني السعودي لأكثر من عقد من الزمان، شهدت الخليل خلالها نموًا سريعًا لمشهد فني سعودي معاصر ونابض بالحياة، وقد تسارع في ظل رؤية 2030. وهي تشرح الجزء المثير من عملها، وهو المشاركة المتزايدة لشباب المملكة في القطاع الإبداعي كفنانين ومنتجين وما صاحبه من ظهور فنانين سعوديين على الساحة الدولية.

كما تقول بأن الأمر المشجع هو أنه خلال هذا الوقت تبنى عدد متزايد من الفنانين الفن كمهنة بدوام كامل، وهو اتجاه ساعد المملكة على تحقيق طموحها في إنشاء قطاع إبداعي مزدهر. ولكن مع إلغاء الجائحة للفعاليات والمعارض، فإن القلق السائد بين العديد من هؤلاء الفنانين أنفسهم هو ما إذا كان بإمكانهم الاستمرار في كسب الرزق من فنهم، حتى مع قيام حكومة المملكة العربية السعودية بدور داعم متزايد الأهمية ، يستدل عليه بإنشاء وزارة مخصصة للثقافة في العام 2018م.

وتضيف: "أعتقد أن هناك عددًا من الفنانين يتساءلون الآن عما إذا كانت مهنة الفن مستدامة. في المملكة العربية السعودية، بالنظر لكون هواة اقتناء الأعمال الفنية قليلون. ومع الأزمة الحالية، لا يشتري الناس هذه الأعمال بينما يكافح الفنانون في أثناء إنتاجهم. ويشعر البعض بالقلق الشديد بشأن ما سيحمله المستقبل، وهم غير متأكدين ما سيؤدي إليه الوضع في ما يتعلق بالمساحات المخصصة للمعارض الفنية ودور الحكومة فيها. لكن هذه التحديات لا تقتصر على المملكة. هذه أسئلة يتعين على كل دولة الإجابة عليها."

ولا يقتصر التحدي على مجتمع الفنانين أنفسهم. وتقول الخليل: "الفن صناعة تتأثر بشدة عندما تكون هناك أزمة اقتصادية". وتتوقع أنه سيكون هناك عدد أقل من المعارض الفنية والبيناليات، وأنه من المرجح أن يتم إغلاق عدد من المعارض الفنية والمؤسسات الفنية وحتى المتاحف نتيجة الجائحة. وتوضح بالقول: "على المدى القصير، سيتأثر عدد كبير من الشركات، وهذا هو السبب في أنه من الأهم للفنانين ومجتمع الفن أن يتحدوا، ويتعلموا من بعضهم البعض، ويتعاونوا من أجل البقاء كمجتمع واحد."

وفي مواجهة عدم اليقين هذا، أبدت الخليل حماسها حول تأثير التقنيات الجديدة على الفنون، وهو اتجاه يتزايد الآن نتيجة للأزمة الصحية. فتقول: "الآن تحديدًا هناك اهتمام أكبر بالتكنولوجيا الرقمية. لدينا فنانون يعملون مع الواقع الافتراضي، ومع الواقع المعزز، وأعتقد أن هذا سيلعب دورًا كبيرًا في المستقبل. إنه سيغيّر كيفية تطور الفن وكيفية عرضه ".

وتتابع: "سيستمر الفنانون دائمًا في البحث عن طرق مبتكرة للتواصل والاستكشاف والتعبير. وبصفتي مديرة معارض فنية، أنا مهتمة بهذه الطرق الجديدة وبكيفية تعزيز الصلات."

وتتوقع الخليل أن تتغير التقنيات التي لم تعد تعتمد على الوجود المادي، كما أن التأثير على العمليات التقليدية مثل المتاحف وصالات العرض وحتى مفهوم البينالي، سوف يتغير أيضًا. وسيكون الاتصال البشري ضروريًا دائمًا. لكن مع انخفاض عدد الأشخاص المسافرين، وارتفاع تكلفة السفر نتيجة لذلك، فإن دور المتحف الذي يسافر الناس إليه سوف يتغير حتمًا، وهذا كان السؤال الذي فكر الناس فيه لعدد من السنوات قبل الأزمة.

وتسأل الخليل "ما هو دور المتحف؟ أعتقد أن دور المتحف العالمي يقترب من نهايته، خاصة الآن. ماالذي يعنيه الاحتفاظ بمجموعة أعمال فنية عالمية عندما لا يستطيع الناس الوصول إليها؟ ربما حان الوقت لبدء الحديث عن اقتناء الأعمال، وعن وجود جمهور محلي وتفاعله مع الفن، وحتى عن توزيع أهمية المتحف عبر متاحف متعددة حول العالم."

بدلًا من إقامة الفعاليات أو المعارض "الضخمة"، تتساءل الخليل ما إذا كان المشهد الفني سيتطور إلى العديد من الفعاليات الأصغر حجمًا التي تجذب بشكل متزايد الجمهور المحلي وخاصةً الشباب، كرد فعل على الواقع المنظور على المدى القريب وهو أن الناس سوف تسافر لتجربة الفن. وتقول: "الأمر يتعلق بالحجم والعدد فالناس سوف يسافرون بشكل أقل، ونحن بحاجة للتأكد من أن الفن والحديث عنه أو حتى خلقه متاح للكثيرين."

وبغض النظر عن الكيفية التي سيظهر بها المستقبل، فإن الخليل حازمة حول شيء واحد: الحاجة إلى الحوار بين كل من له مصلحة في الفن والثقافة السعودية. وتقول: "ليس لدينا كرة بلورية. لا نعرف ما هي الحلول، لكني أشجع المجتمع الفني والحكومات وصالات العرض والرعاة والمجتمع بشكل عام على الاجتماع وإجراء هذه المحادثات وطرح هذه الأسئلة الصعبة: لماذا يحتاج مجتمعنا للفنون؟ أي نوع من المجتمعات ضروري لصنع الفن وتطوير ثقافة معاصرة يمكن أن يتقاسمها الكثيرون؟

على الرغم من عدم اليقين السائد، لا تزال الخليل متفائلة إذ تقول: "سيكون هناك دائمًا إبداع فني، على الرغم من الأزمة، لن يتوقف الفنانون عن الإنتاج سيجدون طرقًا مختلفة للعمل والإبداع، والقيام بذلك كردّ فعل للعالم من حولهم."

وتختم بالقول: "لن يكون الأمر سهلاً، لكننا سنتغير بطريقة أو بأخرى، نحن بحاجة إلى البدء على وجه السرعة في تخيل العالم الذي نريد أن نعيش فيه. غالبًا ما تكون الأزمات هي الوقت الذي نعود فيه إلى لوحة الرسم، لذلك أنا متفائلة."


هذه المقابلة بين إثراء و (مجموعة من الضيوف) هي جزء من سلسلة حوارات حول تأثير جائحة كورونا، ومستقبل الصناعة الإبداعية.