"الهندسةُ، كونها الجانب البصري من علم الرياضيّات، غيرت حياتي وسمحت لي برؤية الجمال بطريقة جديدة".

—لولوة الحمود

فرضت الجائحةُ الحاليّةُ تحدِّيات شتّى على أصعدةٍ عدَّة، وبلا شك إنَّ الفنَّ والثقافة قد تأثرا بشكلٍ كبيرٍ بجائحة كوفيد 19. وأحد أكبر التحدِّيات التي تواجه الثَّقافة عامَّة، والفنَّ خاصةً، هو أنهما يعتمدان بشكل أساسي على التفاعل معِ الجمهورِ المتلقي واستجابتِه. ولكنَّ الشيء الإيجابي، أنه أصبح من الواضح، تحت هذه الظروف، أن الفنّانين حافظوا على مرونتهم، مكرّسين أنفسهم للإبداع وإعادة الابتكار. فقد تمكن المُبدعون في كلِّ المجالات من الإبداع بشكل مختلف في فنِّهم في أحد أصعب الأوقات. وأنا واحدة منهم، حيث أنني وجدت في هذا الوقت الصعب إلهامًا.

لقد أثّرت هذه الجائحةُ الحالية وما فيها من تَّحديَّات على مجال الفنِّ والثقافة بمُجملهما، خاصّة المراكز الثقافيّة والمنشآت الفنِّيّة. وبينما تبقى هذه المراكز والمعارض "مغلقة حتى إشعار آخر"، تأقلمت الكثير من المعارض والمتاحف وبيوت المزادات مع هذا الوضع، من خلال إقامة معارض افتراضيّة والبيع عن بعد.

كما تأثّر الفنّانون المستقلّون بشكل كبير، نتيجة الوضع الحاليّ وقاموا بأفضل ما يمكن للفنّانين عمله وهو: ابتكار أعمالٍ فنِّيّة تستجيب للوضع الحالي الذي نعيشه. لا ننسى أن هناك بعض أهمِّ الأعمال الفنِّيَّة التي تمَّ إنتاجُها خلال الحجْر الصِّحِّيِّ عبر التاريخ، من ضمن هذه الأعمال "بروتريه شخصي مع الإنفلونزا الإسبانيّة" الذي قام به الفنان النرويجي إدوارد ميونخ، عام 1919م، والذي نجا من الانفلونزا الإسبانيّة، ورسم لوحة الصرخة The Scream الأسطوريّة قبل ذلك بأكثر من 25 عامًا.

رسمت العبقريّةُ المكسيكيّة فريدا كاهلو أيضًا البورتريه الأول لها، عندما كانت مُجبرة على البقاء في السرير، بعد حادثها الشهير الذي آذى عمودها الفقريّ وحوضها. وبسبب هذا الحادث الذي أجبرها على العزلة، ازدهرت مِهنتها بشكل يفوق التوقُّعات.

من الطبيعيّ والصحيّ أن نحاول التعامل مع مراحل القلق والخوف بإسلوب يطمئننا ويتلائم معنا، لهذا استجاب المبدعون في هذه المرحلة بإعادة إكتشاف إمكانياتهم والتجديد في إسلوبهم الفني وهم مجبرون للبقاء في منازلهم.

شخصيًّا، جعلني الوضع الراهن أن أعود بالذاكرة إلى طفولتي، وكم كنت مهووسة بالأشكال والأرقام، بالرغم من أنني لم أكن طالبة رياضيّات جيّدة، ورسبت في مادة الجبر مرة! الا أني في الجامعة، وبينما كنت أدرس علم الإجتماع، لاحظت أنني كنت أرسم خطوطًا وأشكالًا هندسية لفهم النَّظريات، وقد بقيتُ طالبة بدرجات متوسِّطة، رغم انتمائي لعائلة تهتم بالنجاح والإنجاز العلمي، فقد كانتا أختاي الإثنتان متفوقاتان.

نشأت في عائلة الأب متفوق في مجال التعليم وناجح ومتميز في مهنته. تُوفي أبي عندما كنت طفلة، لكن تأثيره بقي فيّ، وجعلني طموحة. في كل نجاح أصادفه، أشعر بأنه معي يشجعني وفخورًا بنجاحي.

لقد كانت أول مرّة أشعر فيها بالتواصل الفكري بمادّة أدْرُسها، عندما كنت أدرُس تصميم وسائل الإتصالات المرئية في لندن، وقد حصلت على شهادة بكالوريوس أخرى في هذا المجال، من الكليّة الأمريكيّة والتخرج بدرجة امتياز، وتقدير (Cum Laude). لم يكن هدفي أن أكون طالبة امتياز، لكنّ ذلك حدث لأنني كنت أستمتع ولأول مرّة في حياتي، بما أدرس بشكل كبير.

أن يجد المرء ما يحب، مهما كان صغيرًا، ضرورة وحتمًا سيتمكن من التفوق فيه.

صلة غراميّة مع الأرقام

نشأ ارتباطي مع الأرقام عندما كنت أبحث في الفنِّ الإسلاميِّ، خلال دراستي الماجستير، في جامعة سنترال سانت مارتينز، في لندن، عندما اكتشفت مربع فيدا، وهو إحدى أساليب الحساب المقتبسة من شمال الهند القديمة. هذا الأمر ألهمني لإطلاق سلسلة "لغة الوجود"، وهي مشروعي الفني المستمر.

وشاءت الأقدار أن تصبح الرياضيات التي كانت مادة صعبة بالنسبة لي، أن استمتع بها وأدرك معانيها من خلال الفنِّ والروحانيّة.

بعد إنهائِي درجة الماجستير، عملت مصممةً ومديرةً إبداعيَّةً لعدة سنوات، لكنّني كنت دائمًا مُنجذبة للفنِّ، وعملت قيّمة فنية ومنسقة معارض في لندن أثناء ذلك الوقت.

لقد أصبحت فنانة بالصدفة، عندما كنت قيّمة على أحد المعارض، وأطلع أحد الخبراء على رسوماتي بالصدفة، وأثنى عليها ونصحني بالإتجاه للفن كفنانة.

تلك كانت البداية! كوني فنانة لم يكن أمرًا قد خطّطت له أبدًا، لكنها سُنة الحياة! وهذا يدعونا للتساؤل، هل ما نحققه في حياتنا نتيجة لما خططناه؟

استمتعت في بداية الحجر الصحيّ الحاليّ بنمط الحياة البطيء حيث أن حياتي كفنّانة حافلة بالمعارض ومليئة بالفعاليات التي تتطلب الكثير من السفر. رغبت بإنتاج أعمال جديدة، لكن الاستوديو الخاص بي، وكل ما أحتاجه من أدوات ليست معي حاليًّا، كما أنه من الصعب التنقُّل.

وبينما كنت أرتِب منزلي، وجدت علب من النرد جلبتها مؤخرًا من لندن، دون أن أعرف ما سأصنع بها. أحببتها كتصميم ولا سيّما لونها الأزرق المميز والمفضل لدي. بدأت أجرب بها أشكالًا قادتني إلى تحويل أحجار النرد البسيطة إلى عمل فنِّيٍّ ذي صبغة فلسفيَّة.

لا يوجد وقت أكثر من الذي نعيشه الآن أصبحت فيه الأرقام ذات أهمية ومغزى، بدءًا من عدد حالات الإصابة بكوفيد 19، إلى عدد أفراد العائلة الذين يمكنهم أن يكونوا معًا في وقت واحد بما فيها عدد أيّام الحجر. لهذا أنتجت هذا العمل الفني المعتمد على بيت من شعر لأبي العتاهية (748 – 828) وهو شاعري المفضّل، لحكمته وروحانيّته والذي يقول: أعدد أيامي وأحصي حسابها وما غفلتي عما أعد وأحسب الروحانيّة في العزلة ضرورة ونعمة.

فأنا لست مستاءة من التوقف المؤقت لأنشطة الحياة مهما طال، بل أجد متعة فيه كما أني أراه فرصةً للتأمُّل، والابتكار، والتفكّر. أترككم مع سؤال: ما الأرقام التي تعنيكم ولماذا؟

من خلال هذا السؤال، قد تجدون إجابة لم تخطر لكم من قبل. أنا أحبّ الأرقام الفرديّة، رقمي المفضل هو 9.

الرقم 9 هو الوحيد الذي يخلق نتائج جدول ضربه نمطًا مثاليًّا، وإذا جمعت خانات هذه النتائج لتحصل على رقم واحد، سيكون هذا الرقم هو 9.

أليس ذلك مبهرًا؟!

--

لولوة الحمود هي فنانة سعودية رائدة وصاحبة مؤسسة لولوة الحمود الفنّية. انستغرام: @lulwah_al_homoud