د. فوزية أبو خالد

شاعرة وكاتبة سعودية

كانت صفية بن زقر - دون أن تدري ربما - واحدة من جيل النساء الأوائل، اللواتي استطعن أن تكون لهنّ بصمة مبكرة على أجيال متوالية من بنات هذا الوطن، ليس على مستوى التشكيل وحسب، بل على مستوى "نسوي" إن صح التعبير، وذلك من خلال فتح عيون بنات السبعينات في المجتمع السعوديّ على مثال لحضور المرأة حضورًا "معرفيًّا واجتماعيًّا" متفاعلًا "يحظى بالاعتراف والاحترام" في مجال لم يكن معهود للنساء من قبل، وهو مجال الفنّ التشكيليّ.

ففي صباح يوم بعيد مدّت صفيّة يدها، وبريشتها الرقيقة استطاعت أن تزحزح جدارًا من أحد جدران المدرسة، وتحل محله نافذة عريضة، يُطلُّ عبرها عدد شاسع من طالبات الثانويّ، وتلميذات المتوسط، والابتدائيّ، بمدينة جدة، على بساتين من اللون، وفلوات من الآفاق الواسعة.

حدث ذلك حين فاجأت صفية بن زقر مجتمعًا لم يكن به صالة واحدة متخصّصة بالفنون التشكيليّة، ولم يعتد إقامة معارض للفنون التشكيليّة إلا فيما ندر، ولنفر محدود من الفنّانين التشكيليّين الرجال، مثل: عبدالحليم رضوي، ومحمد السليم، ويحيى العبدالجبار، وطه صبان، وضياء عزيز ضياء. ثمّ فوزية عبداللطيف (لاحقًا)، بوجودها فنانةً تشكيليّةً لا تريد أن تكتفي برسم لوحاتها وصفها في "صالون" بيتها، كما لا تريد القبول بالخيار المفتوح أمامها بحكم دراستها خارج المملكة، بأن تعرض لوحاتها في الخارج، بل تريد إثبات وجودها الفنّيّ في بلدها. ولا غرو، فقد بدا الأمر واضحًا.

من تلك البدايات المبكرة نستشفّ أنّ تلك الفنانة - وإن قامت بإنجاز دراستها النظاميّة ودراستها للفنون في مصر وفي بريطانيا - تتمتع بحسّ عالٍ من الانتماء لأرضها ولمجتمعها، وذلك يظهر في كلّ خطٍّ ولون قامت برسمه على لوحاتها.

ولهذا، ونظرًا لتلك الظروف الضيقة، فقد قامت "الشاطرة" بالرسم بظلف الغزال كما يقال، فأقدمت بموهبتها المبكرة، هي وزميلتها الفنانة التشكيلية المميزة منيرة الموصلي - رحمها الله - على إقامة المعرض التشكيليّ الأول لسيّدات سعوديّات، ليس بمعرض تشكيليّ، بل بالمتاح وقتها، وكان المتاح - لحظي ولحظ زميلاتي من التلميذات - هو بعض من قاعات بعض الفصول بمدرسة التربية الحديثة بجدة.

وإن كان قد مضى على ذلك المعرض الأول لـ"صفية بن زقر، ومنيرة الموصلي" بالمدرسة تاريخًا طويلًا، تخلله الكثير من المدّ والجزر الاجتماعيّ والتنمويّ، وتخرجت بعده أجيال لا تحصى من النساء السعوديّات، بمختلف التخصصات العلميّة والأدبيّة، بل والتشكيليّة. فإنّ المبادرة الأولى لإقامة معرض للفنّ التشكيليّ بأيدي فنّانات سعوديّات في وسط "نسائي طري" كالطالبات، وإن كان المعرض قد شكل وقتها تظاهرة فنيّة غير مسبوقة (حضره الوسط الثقافيّ بأسره حينها، وكتبت عنه الصحف، فقد فتحت أبواب المعرض بالمدرسة للرجال مساء) فقد بقي ذلك المعرض علامة فارقة، في تاريخ الفنّ التشكيليّ الذي اجترحته النساء لحظتها، وإلى اليوم. وإن كان الملفت والمؤلم أنه لم تُقم إلى الآن بوطننا أكاديميّة للفنون، تعنى بالفنّ التشكيليّ، وإلا لكانت الفنّانة صفيّة بن زقر علمًا معرفيًّا داخله، عن استحقاق فنّيّ، ومعرفيّ أيضًا. فالفنانة صفيّة بن زقر في جميع محطات تاريخها التشكيليّ - من قطرة اللون الأولى على المجموعة الأولى من لوحاتها، إلى المرحلة الحاليّة - قد اختطت لنفسها خطًّا فنيًّا خاصًّا بها، وملتزمًا التزامًا لا ادِّعاء فيه، بقضيّتين أساسيتين: من ناحية الشكل، ومن ناحية الموضوع. أوضّحهما فيما يلي:

من ناحية الشكل: يرى المتابع لأعمال الفنانة صفية بن زقر ولخطّها الفنيّ - وإن كان مجرد شغوف بالتشكيل وغير متخصّص، مثلي - أنّها عُنيت - سواء على مستوى اختيارات اللون أو على مستوى إبداعات التشكيل - بالتّعالق الشديد مع البيئة، وتحديدًا مع البيئة في خامتها التسجيليّة. فاقتحمت تشكيليًّا مجال الرسم التوثيقيّ .. بحَفر أدق.

التفاصيل في النسيج البيئيّ.. من ملامح الوجه، وتعبيرات الحزن أو الفرح عليه، وهيئة الجسد في انكساره أو نشوته، إلى تفاصيل المشهد من اللبس، إلى الأثاث، أو سواهما، حسب طبيعة اللقطة التشكيليّة. كما أن لديها خطًّا فنيًّا خاصًّا بها في استخدامات الطيف اللونيّ، ينبع أيضًا من الارتباط بالبيئة، فنرى عند الفنانة صفيّة ميلًا سافرًا للرسم بالألوان البيئيّة "الشموسيّة" "الساخنة" "المسْفِرة" للمجتمع السعوديّ كله، وللمجتمع الحجازيّ على وجه الخصوص. بما يتقاطع لونيًّا - مع اختلاف المدرسة الفنيّة بطبيعة الحال، والاختلاف البيئيّ - مع تلك الألوان "الجوجانيّة" الصاخبة في رسم جوجان للنساء في بيئة تاهيتي.

أمّا من ناحية الموضوع: فإنّ غالبيّة الفنّ التشكيليّ الذي جسدته لوحات الفنانة صفية بن زقر، هو فنٌّ تشكيليٌّ نسويّ بامتياز. وقد تمّ ذلك بذكاء تشكيليّ غير تصادميّ مع المجتمع، بعيدًا عن الشعارات النسويّة المعتادة، بما لم يسقطها في الفهم التفسيريّ الخاطئ، والمتحامل عادة على كل ما يعمل على إبراز القيمة الجماليّة والاجتماعيّة للمرأة، كسيدة ذات قيمة إنتاجيّة وإنسانيّة في المجتمعات. فعلى سبيل المثال لو رجعنا إلى لوحة من لوحاتها الشهيرة العالقة بذاكرتي البصريّة، وهي لوحة النساء "الصبانات" ولا أدري إن كان ذلك عنوانها، ولكن هذا ما تعبر عنه إذ إنها لـ "سيدات يقمن بغسل الملابس على اليد"، وهي مهنة كانت تقوم بها المرأة قديمًا في مجتمع الحجاز، لأسرتها، أو بالأجر، ويطلق على صاحبة هذه المهنة باللهجة الحجازية "الصبّانة" وإن كان النساء يقمن بالعمل فيها بشكل جماعيّ، فإنّ هذه اللوحة في رأيي تعتبر المقابل البيئي للوحة الفنان الفرنسي جان فرانسوا ميليه، المعروفة باسم "الحاصدات" أو نساء اللائي يجمعن الحصاد، ودلالتها أنّها تعبير عن ذلك التمازج الإنسانيّ العشتاريّ بين المرأة الخصيبة وبين الأرض الخصب، باعتبار المرأة منبعًا للخصب: في إنتاج البشر، وفي الإنتاج المعيشي معًا.

ويمكن لمن أراد تتبع وبحث صورة المرأة في فنّ الرسم، من خلال العديد من اللوحات العالميّة، شرقًا وغربًا، عبر التاريخ العالميّ لحركة الفنّ التشكيليّ، من لحظة حضورها كمجرد أيقونة جمال كالمونليزا، إلى حضور النساء بريشة نساء أو رجال ونساء في الحركة التشكيليّة، كذوات حاضرة وفاعلة وعاملة ومتفاعلة ومنتجة.

ومتعددة، بغير تلك الأشكال الاستشراقية أو الغربيّة، بأنواعها الشهوانيّة، أو الإلهاميّة التي شاعت في مراحل من تاريخ الفنّ الحديث، وخاصة في مرحلة الكولونيّة وما قبلها، يمكن أن يرى القيمة الرمزيّة لأعمال صفيّة بن زقر، في اختيارها ونذرها فنّها لموضوع من المواضيع الشائكة والجدليّة في الفنّ التشكيليّ، وفي الحياة معًا، وهو موضوع حضور النساء في اللوحة، حضورًا نوعيًّا، يعبر عن الحياة المعيشيّة للمرأة والمجتمع معًا. وإن كانت معظم النساء في لوحات صفية يمثّلن ماضي المرأة وماضي المجتمع، من خلال ما أشرت له بالحفر أو التسجيل التوثيقيّ باللون والشكل، فإنّ ذلك أيضًا موقف له رمزيّته، وهو قابل لتحليل إبداعيّ واجتماعيّ، إلا أنّه يحتاج لوقفة طويلة أخرى في مستقبل الأيام ربما. أما في هذه اللحظة فلا يسعني إلا تحيّة الفنّانة صفيّة بن زقر، على دأبها وعزمها واختيارها التشكيليّ الصعب الجميل.