نحاور في هذا العدد من إثرائيات الخطاط عبدالرحمن الفايز، وهو فنان سعودي من مدينة الخبر، وأحد الأسماء البارزة في اهتمامها بالخط العربي ثقافة وفنًا، يمارس عبدالرحمن هذا الفن منذ أكثر من 15 سنة، ويتفرّد بعمله من خلال دمج جديد وفريد لمجموعة كبيرة من الحروف والأفكار في تركيبة ومواد تجريبية تعكس خطوطًا جديدة للفن الإسلامي والتقليد في الأبجدية العربية.

"الخطّ هو جوهر الفنّ، وهو الغالب فيه، حيث الحضورُ الجماليُّ والدلاليُّ، إذ قلما تجد فنًّا يجمع ما بين الاثنين، فلو قلنا إنّه أداة للتعبير، فهو الجاذب للعين والدال للوصف"

يرى عبدالرحمن الفايز أن انتساب الخطِّ إلى مجال الفنّ يذهب أبعد من كونه مجرد أداة للتعبير، فالفنّ - بحسب رأيه - يبدأ بوصفه حاجةً، وفي كلِّ المجالات انطلق للوهلة الأولى من الحاجة، وتحول إلى ترف وتباهٍ، فالرسم مثلًا استخدم للتعبير عن حالة أو تصوير حقبة، ثم تحوّل إلى فنّ.

الفنّ تابع للوظيفة، لكنّه أضاف الكثير لها من جهة الشّكل والمضمون والمدلولات المحسوسة، ومع الوقت أصبحت بعض المجالات تنشد الغاية الجماليّة لها، ومن بينها الخطّ الذي بدأ حاجةً لتدوين العلوم المختلفة، ثم تطوّر في المنافسة لكتابة القرآن بأبهى خطوط وحلّة، وفي كسوة الكعبة والكتب والدواوين أخذ شكل الخطّ يميل إلى تجسيد جماليّ، كثف من حالته الفنّيّة أكثر من الوظيفيّة.

يشجّع الفايز على ضرورة توسيع الخطّاط وعاءه المعرفيّ، لما لذلك من دور في تطوير ملكاته وهو يتعامل مع ما يسميه (هندسة روحانيّة ظهرت بآلة جسمانيّة) تعريفًا لفنّ الخطّ، حيث يقول: "العلوم التصميميّة بعمومها مترابطة في أطر عامّة: كالبنية، والتركيب، والانسجام، والتباين، والمساحة، والفراغ، والإرسال، والجمع، والقبض، والبسط، وكل هذه ترتكز على اتجاه النص، ومحاولة الفنان إيجاد رابط بصريّ لها، من خلال الهندسة الروحيّة".

وبينما اختارت وزارة الثقافة أن يكون هذا العام للخط العربيّ، فإن الفايز يؤمن بقيمة هذه المبادرات في إنعاش هذا المجال، ويؤكد في هذا الصدد: "إن هذا زمن الخطاطين، وإذا لم يستثمر أيّ خطاط هذه الحقبة التي تحظى برعاية من أكبر مؤسسة ثقافية في البلاد، سيفوته الكثير من الفرص والمقدّرات المتاحة له الآن، وربّما سيندم عندما ينصرف الاهتمام لمجالات غيرها خلال السنوات المقبلة".

ويعلق عبدالرحمن على الافتراض القائل بأن فن الخط العربي يبدو مجالًا مغلقًا الآن، وغير قابل للتجديد أو اجتراح فضاءات متجاوزة لما استقرّ عليه منذ عقود وربما قرون، بأنه افتراض مرفوض، ويضيف: "الخط متجدد دائمًا، حتى وإن كان ذلك غير واضح لعامة الناس، فلو كتب الخطاط حرفًا واحدًا وكتب الآخر حرفًا مماثلًا لاستلطفت عينك ما كتباه، وهذا يعود لكثرة أبعاد هذا الفن الذي ما فتئ يتجدد منذ النقطة الأولى للمداد على الرق و الجلود".

كما يشير إلى أن تأثير الوظيفيّة عليه قد ساهم في الإبطاء من هذا التجدد، فمن المعلوم ما للخط العربي من أهميّة في كتابة المصاحف وتدوين العلوم، إلا أن هذا لم يمنع من تطور الأقلام وتجدّدها على مرّ العصور.

ويشرح عبدالرحمن الفايز هذه الجزئية بقوله: "التّجديد له أوجه كثيرة، منها ما يكون تطويرًا كاملًا لشكل الحرف واتصاله، ومنها ما يكون تصويريًّا في وضع الحرف ضمن إطار مفاهيميّ يختصر الكثير، ويغني عن السطر وعلومه، ومنها ما يكون في التجريد والاختزال والتفكيك، ومنها ما هو مرتبط بالألوان، و الكتل، وتأثير الثقافات والفنون الأخرى في إنتاج روح مختلفة، ومنها ما ينقل الخط إلى ما ورائيات الحبر والورق، وصنع نماذج تحاورية بمواد مختلفة".

وفي هذا السياق تظهر فكرة جديرة بالإضاءة، تتمثل في السؤال عن حال فنّ الخط في مواجهة التقنيات التي تواصل استبدال الإنسان كلّ مرّة، وعن فرص تطوير استدماجها في هذا الفنّ، وعن ذلك يعلق الفايز قائلًأ: "لقد ساعدت التقنية الخطاط في تسريع عملية الإنتاج، بفضل القدرات العصريّة التي تتيح له بعض ما كان يستهلك طاقته ووقته"، ويضيف كذلك: "كما أنّ التقنية من خلال الشاشات مكّنته من الاستغناء عن أدوات تقليديّة مثل المكبّر للتعامل مع تفاصيل دقيقة في رسم الحروف، وزوايا الكلمات، وأبعد من ذلك بتلافي أخطاء الحرفيّين غير المتقنين أثناء إنتاج لوحات الرّخام في المساجد والقاعات، والتُّحف وقطع الأثاث التي تتضمن خطوطًا، وحصل على جودة كتابة عالية".

كما يشير عبدالرحمن إلى شواهد من دخول التقنية في فن الخ العربي فيطرح أمثلة: التصميم الجرافيكيّ، والعمرانيّ، وتصميم المنتجات، وطباعة الكتب، والتغليف، وكروت الأشخاص والمناسبات، ويعلق قائلًا: "كل تلك الأمور الحديثة شاركت التقنية في خدمتها، كما أن إثراء مكتبة الخطوط العربيّة فيّ الكمبيوتر واستخداماتها المتعددة على الهواتف وسواها حصل بفضل التقنية، وكل ذلك يؤكّد أنّ التقنية كانت إضافة مفيدة لمجال الخطّ ودعم انتقاله إلى مستوى أعلى مما هو عليه.

إلا أن الفايز يعتقد أنه وبالرغم من التسهيلات التي قدمتها التقنية في خدمة الخط العربي، إلا أنها من جهة أخرى قد تسببت ببعض الأضرار على المجال، فيقول عن ذلك: " التقنية سرّعت بعض جوانب هذا الفنّ، الأمر الذي يفقده الأبعاد الجميلة في تفاصيله التقليدية، سيما وأنه مجال ينمو في جو من التمهّل والجودة والإتقان والدقة الشديدة، ومن جهة سهّلت من اختراق المجال من قبل بعض المتطفلين وغير المتخصصين".